حين يتحول الاختلاف إلى اتهام للمجتمع، ليس من حق أحد أن يختزل مجتمعاً بأكمله فى وصف واحد أو أن يحكم على شعب له تاريخه وحضارته وتنوعه الفكرى والدينى والاجتماعى بكلمة تُلقى فى مناسبة فنية ثم تتحول إلى قضية رأى عام.
فحين يصف الكاتب والسيناريست مدحت العدل المجتمع المصرى بأنه (سلفى) ومعادٍ للمرأة والسينما والفن فإننا أمام تعميم يستحق المناقشة لأن المجتمع المصرى أكبر من أن يُختزل فى موقف واحد ولأن اختلاف الناس حول قضية اجتماعية أو عمل فنى لا يعنى بالضرورة رفضهم للمرأة أو عداءهم للإبداع.
ومن حق أى مثقف أن ينتقد ظاهرة يراها سلبية وأن يدافع عن حقوق المرأة لكن من واجبه أيضاً أن يحدد موضع النقد بدقة وأن يفرق بين سلوك فردى مرفوض وبين مجتمع كامل وبين المحافظة على القيم والتقاليد وبين التعصب أو التمييز.
فهل أصبح الاختلاف مع بعض الأعمال الفنية دليلاً على التخلف؟ وهل الدفاع عن القيم الأخلاقية يعنى بالضرورة الوقوف ضد المرأة والفن؟
إن مثل هذه الأسئلة تستحق نقاشاً هادئاً وجاداً لا تبادلاً للاتهامات ولا تقسيماً للمجتمع إلى معسكرات متعارضة.
السلف الصالح ليسوا تهمة
من الضرورى هنا التمييز بين مفهوم السلف الصالح فى التراث الإسلامى الذى يرتبط بالأجيال الأولى من المسلمين، وبين السلفية بوصفها مصطلحاً يُستخدم فى العصر الحديث لوصف اتجاهات وتيارات متنوعة تختلف فى رؤاها ومواقفها دون تشدد أو تكفير لأنه يوجد فرق كبير بين السلفى والتكفيرى.
ولا يصح استخدام أى من المصطلحين باعتباره تهمة جاهزة كما لا يصح أن يتحول التدين أو التمسك بالقيم إلى مبرر لانتقاص حقوق الآخرين.
لقد قرر القرآن الكريم مبدأ الكرامة الإنسانية فى قوله تعالى _وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ كما أكد المسئولية الفردية بقوله تعالى وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى_.
وهذان المبدآن يضعان أمامنا قاعدة واضحة لا يجوز إهانة الإنسان بسبب معتقده أو انتمائه أو اختياراته ولا يجوز كذلك تحميل مجتمع بأكمله مسئولية جريمة يرتكبها فرد أو مجموعة. إن المجتمع المصرى بتنوعه وتاريخه لا يحتاج إلى من يضعه فى قوالب جاهزة بل إلى من يساعده على معالجة مشكلاته بموضوعية ويحافظ على ثوابته دون أن يغلق أبواب الحوار والتطوير.
الدفاع عن المرأة لا يكون بإدانة المجتمع كله
لا خلاف على أن كرامة المرأة حق أصيل وأن العنف ضدها أو التمييز بحقها ممارسات مرفوضة يجب مواجهتها بالتوعية والتشريع وتطبيق القانون.
لكن الدفاع عن المرأة لا ينبغى أن يتحول إلى اتهام جماعى للمجتمع كما أن التمسك بالقيم الدينية والاجتماعية لا يجوز أن يكون ستاراً لتبرير العنف أو الانتقاص من الحقوق.
إن المعادلة الصحيحة ليست صراعاً بين المرأة والمجتمع ولا بين الدين والحداثة بل شراكة تقوم على الكرامة والعدل والمسئولية وتحفظ للمرأة حقوقها وللأسرة استقرارها وللمجتمع هويته.
ومن منظور الأمن المجتمعى فإن استقرار الأسرة واحترام المرأة وحماية الأطفال وتعزيز ثقافة الحوار ليست قضايا هامشية إنها عناصر أساسية فى بناء الإنسان المصرى القادر على المشاركة فى صناعة المستقبل.
فالمجتمع القوى ليس المجتمع الذى يخلو من الخلاف بل المجتمع الذى يعرف كيف يدير خلافاته دون أن يهدم الثقة بين أبنائه.
الفن حرية وإبداع..ولكنه مسئولية أيضاً
الفن أحد أهم أدوات تشكيل الوعى وله قدرة على التأثير فى الأفكار والمشاعر والسلوك ولذلك فإن الحديث عن حريته لا ينبغى أن ينفصل عن الحديث عن مسئوليته.
وقد أعلنت الفنانة إلهام شاهين رغبتها فى تقديم مسرحية (المومس الفاضلة) وهو عمل درامى يرتبط العنوان فى تاريخه المسرحى بمناقشة قضايا اجتماعيه اخلاقيه وحتى الآن فإن الإعلان عن تقديم العمل لا يتيح إصدار حكم نهائى على معالجة العرض المرتقب أو مضمونه قبل مشاهدته وتقييمه.
لكن من حق الجمهور أن يناقش دلالة العنوان ومدى ملاءمته للبيئة الثقافية والاجتماعية وطريقة تناول الموضوع وما إذا كانت المعالجة الفنية تحقق غايتها الفكرية والإنسانية دون أن تصدم الجمهور أو تستفزه دون ضرورة فنية.
وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل عمل يثير الجدل عملاً مرفوضاً وليس كل ما يُقدم تحت اسم الفن محصناً من النقد.
فالحرية لا تعنى إعفاء الإبداع من المساءلة النقدية كما أن المحافظة على القيم لا تعنى مصادرة الإبداع أو الحكم عليه قبل ظهوره.
المعيار هو مضمون العمل ومعالجته وأثره فى إطار القانون مع احترام حق الجمهور فى النقد وحق الفنان فى التعبير.
الكلمة مسئولية.. خصوصاً حين تصدر عن شخصية عامة
تتضاعف مسئولية الكلمة حين تصدر عن كاتب أو فنان أو شخصية عامة لأن تأثيرها يتجاوز صاحبها إلى قطاعات واسعة من المجتمع.
ومن هنا فإننى أوجه رسالة واضحة إلى مدحت العدل وإلهام شاهين وإلى كل من يتصدر المشهد الثقافى والإعلامى إن الاختلاف حق والإبداع حق والنقد حق لكن احترام المجتمع ومشاعره وقيمه مسئولية لا تقل أهمية عن هذه الحقوق.
اتقوا الله فيما تقولون وتقدمون واجعلوا من الكلمة والفن وسيلة لبناء الوعى لا لتوسيع فجوة الخلاف.
ليس المطلوب أن يتفق الجميع على رأى واحد ولا أن يُمنع الفنان من طرح الأسئلة الصعبة وإنما المطلوب أن تكون المناقشة جادة وأن تُحترم عقول الجمهور وألا تتحول الاستفزازات أو التعميمات إلى بديل عن الحجة والإبداع الحقيقى.
فالمثقف صاحب رسالة والفنان صاحب تأثير والإعلامى صاحب مسئولية وكلما اتسعت مساحة التأثير ازدادت الحاجة إلى الوعى بضوابط الكلمة ونتائجها.
من الجدل إلى الحلول.. ماذا نحتاج؟
إن القضية لا تُعالج بالهجوم على الأشخاص ولا بالمطالبة بإغلاق أبواب الإبداع وإنما بخطوات عملية تحفظ التوازن بين الحقوق والمسئوليات.
١- دور الأزهر الشريف فى توضيح المفاهيم الدينية وتصحيح الخلط بين التدين والتشدد وبين المحافظة على القيم ورفض الآخر بخطاب معاصر يقترب من الناس ويجيب عن أسئلتهم.
٢- دور وزارة الثقافة فى دعم الفنون الجادة التى توسع أفق التفكير وتحترم عقل الجمهور وفتح حوار مهنى حول المسئولية الثقافية والاجتماعية للإبداع دون فرض الوصاية على الأفكار أو إهدار حرية التعبير.
٣- دور المجلس القومى للمرأة فى مواصلة الدفاع عن حقوق المرأة ومناهضة العنف والتمييز مع دعم خطاب مجتمعى يجمع بين حماية المرأة وتعزيز استقرار الأسرة واحترام الكرامة الإنسانية.
٤- مسئولية الإعلام والمؤسسات التعليمية والأسرة فى تنمية التفكير النقدى لدى الأجيال الجديدة وتعليمها أن الاختلاف لا يبرر الإساءة وأن حرية الرأى لا تعنى تجاهل أثر الكلمات والأعمال فى الآخرين.
٥- احترام القانون وضماناته فليس كل عمل مثير للجدل مخالفة قانونية وليس كل نقد إساءة تستوجب العقاب وأى إجراء رسمى يجب أن يستند إلى نص قانونى واضح وأدلة محددة وإجراءات عادلة لا إلى ضغط جماهيرى أو اختلاف فى الأذواق.
إن هذه الأدوار لا تتعارض مع حرية الفن بل تساعد على بناء بيئة ثقافية أكثر نضجاً تحمى المجتمع من التعصب وتحمى الإبداع من التحول إلى مجرد وسيلة للاستفزاز أو صناعة الجدل.
بناء الإنسان يبدأ باحترام هويته
إن معركتنا الحقيقية ليست مع فنان أو كاتب وليست بين أنصار المحافظة وأنصار التجديد إنها معركة وعى نحتاج فيها إلى إنسان يعرف حقوقه وواجباته ويعتز بهويته دون تعصب وينفتح على العالم دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية.
فلا نهضة بلا حرية مسئولة ولا استقرار بلا عدالة ولا بناء حقيقى للإنسان إذا تحول الحوار إلى إهانة أو تحول الفن إلى ساحة لتبادل الاتهامات.
وأقولها بوضوح نحن لا نريد حرية تُصادر حق المجتمع فى النقد ولا نريد قيماً تُستخدم لتبرير التضييق على الناس نريد حرية مسئولة وفناً راقياً وخطاباً عاماً يحترم الدين والإنسان والمرأة والمجتمع.
إلى مدحت العدل وإلهام شاهين وإلى كل صاحب كلمة مؤثرة اختلفوا كما تشاءون وأبدعوا كما ترون لكن لا تجعلوا من الاختلاف طريقاً إلى إدانة المجتمع كله ولا من الجدل غاية تتقدم على الرسالة، فالأخلاق ليست عبئاً على المستقبل والهوية ليست عائقاً أمام التقدم إنهما من الأسس التى نبنى عليها إنساناً مصرياً واثقاً بنفسه، قادراً على التفكير والإبداع ومتمسكاً بكرامته وأخلاقه وهويته وقيمه ومسئوليته تجاه وطنه.
المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض