رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

المتأمل فيما يحدث اليوم في الشارع الفرنسي والأوروبي، يجد أننا لسنا أمام مجرد موجة عابرة من التظاهرات، بل مواجهة مفتوحة وعميقة. والأسباب الراهنة التي تحرك هذه الثورات والاحتجاجات اليوم تتجاوز الفكرة التقليدية للمطالبة بزيادة الأجور، إنها تدور حول أزمة وجودية واقتصادية طاحنة يمر بها المواطن الأوروبي، بعدما وجد نفسه محاصراً بأسعار طاقة غير مسبوقة، ومعدلات تضخم تلتهم مدخراته، وقرارات حكومية حاسمة تضغط على مكاسب اجتماعية عاشت معها الأجيال لترسيخ مفهوم رفاهية الدولة.

ويأتي في مقدمة هذه القرارات شرارة الحريق الأكبر المتمثلة في قضية رفع سن التقاعد، التي تحولت إلى الفتيل الذي يشعل الشارع ويستنفر النقابات، فالقادة والحكومات يدفعون نحو هذا الإجراء تحت ذريعة مواجهة العجز المالي المتفاقم في صناديق التأمينات والتغييرات السكانية الناتجة عن تزايد أعداد كبار السن وقلة المواليد، معتبرين أن تمديد سنوات العمل هو الحل الوحيد لتفادي إفلاس المنظومة. إلا أن خطورة هذا القرار تبدو واضحة في أبعاده الإنسانية والاجتماعية المعقدة، فهو ينطوي على استنزاف بدني ونفسي حاد لكبار السن الذين يُجبرون على مواصلة الشقاء في المهن الميدانية والشاقة كالتمريض والبناء والنقل في منتصف الستينيات من أعمارهم، مما يضاعف معدلات الإصابات والأمراض المزمنة وينقل عبء التكلفة فوراً إلى المنظومة الصحية للدولة. كما يتسبب تأجيل تقاعد الكبار في انسداد أفق العمل أمام جيل الشباب والتسبب في جمود حركة التوظيف وتفاقم البطالة بين الخريجين الجدد، فضلاً عن انخفاض الإنتاجية العامة نتيجة الإنهاك الوظيفي، وتفكك شبكة الدعم الأسري والاجتماعي الدفيئة التي يقدمها الجدان المتقاعدان لأبنائهما وأحفادهما من مكافآت نهاية الخدمة ومن  العون الاجتماعى المتعدد الأشكال الذى يتاح فى حال تفرغهما. يضاف إلى كل ذلك شعور عميق لدى الفئات العاملة والطبقة الوسطى بأن الطبقة السياسية والحاكمة باتت تعيش في أبراج عاجية، تتحدث بلغة الأرقام والتوازنات المالية والتكنوقراطية، بينما المواطن البسيط يعاني يومياً لتوفير الأساسيات ويستشعر سلب حقه المشروع  في الراحة بعد عقود من العمل الشاق.

الأزمات الأوروبية الراهنة لا تنفصل عن التحولات الجيو-سياسية والصراعات الدولية التي أعادت رسم خريطة الطاقة، حيث فرض  على الدول الأوروبية اقتطاع أجزاء ضخمة من إنفاقها الاجتماعي الموجه للرفاهية لتوجيهها نحو التسليح، وتحول الطاقة، وبناء استقلالية استراتيجية في التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي. هذا التحول الإنفاقي يتسبب في انكماش المساعدات والقروض التنموية والاستثمارات الأجنبية المباشرة الموجهة إلى الأسواق الناشئة وعلى رأسها مصر.

كذلك هناك مشكلة "أتمتة الوظائف"  أى جعلها "أوتوماتيك" بالإضافة إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ، فهى من أسباب استفحال أزمة سن التقاعد ، حيث يتضاعف الغضب الشعبي الأوروبي مع شعور العمال بضغط الاستمرار في العمل لسنوات أطول في وقت تتلاشى فيه الوظائف التقليدية لصالح التكنولوجيا، مما يجعل مطالب رفع سن التقاعد تبدو متناقضة مع واقع سوق العمل المستقبلي. 

 

ولا تتوقف الخسائر الناجمة عن هذه الهزات عند حدود شلل المرافق والقطارات وإضرابات عمال النظافة أو تعطيل الموانئ، بل تمتد لتسجل خسائر بالملايين يومياً في قطاعات تجارية وسياحية حيوية. وتتفاقم الأمور عندما تدخل تيارات غاضبة على خط التظاهرات، فتتحول شوارع بلمساتها التاريخية وواجهاتها العريقة إلى ساحات كَرّ وفرّ، تشهد تحطيم المحال التجارية وإحراق السيارات واشتباكات دامية مع قوات الشرطة، مما يتسبب في تدمير بنيوي يرهق ميزانيات الدول ، ناهيك عن الخسارة المعنوية الأكبر المتمثلة في تمزق النسيج الاجتماعي وزيادة الفجوة والاستقطاب بين التيارات السياسية والاجتماعية المختلفة.

وهنا تظهر أخطاء القادة والمسؤولين واضحة ومتكررة ، وأولها المكابرة السياسية والإصرار على تطبيق القرارات الصعبة من خلال آليات استثنائية دون حوار مجتمعي حقيقي وشامل. واستخدام القادة أسلوب الصدمة، مفترضين أن الشارع سيمتثل في النهاية للضرورات الاقتصادية، متجاهلين قدرة الناس على الصمود والغضب. الخطأ الثاني يتجلى في الاستهانة المبدئية بقوة النقابات والجمعيات العمالية، حيث تُترك الأزمة تتفاقم وتكبر حتى تستعصي على الحل الوسط، ليجد القادة أنفسهم محشورين في زاوية صعبة، إما التراجع الذي يظهرهم بمظهر المتراجعين الضعفاء ، أو المضي قدماً مع ما يعنيه ذلك من تأجيج للاضطرابات. والخطأ الثالث هو الركون المفرط إلى الحلول الأمنية ومحاولة إدارة الأزمة عبر المواجهة في الميدان، بدلاً من تقديم المبادرات السياسية والإصلاحات المتدرجة التي تمتص غضب الجماهير.

ويأتي السؤال الجوهري حول انعكاس كل هذا الحراك في أوروبا على مصر. 

الحقيقة أن تأثير ذلك يتجلى في مسارات متعددة :

من الناحية الاقتصادية ،أوروبا هي أحد أكبر الشركاء التجاريين لمصر ومصدر رئيسي للتدفقات السياحية. عندما يصاب الاقتصاد الأوروبي بالشلل أو تتأثر حركة النقل والطيران نتيجة الإضرابات والاضطرابات، فإن حركة السياحة الوافدة إلى الشواطئ والمدن المصرية تتأثر. كذلك، فإن ارتباك الأسواق الأوروبية وصناعاتها يرفع من تكلفة السلع والمعدات الموردة إلينا، ويزيد من اضطراب أسواق الطاقة والسلع العالمية، مما يضغط على الميزانية المصرية وتكلفة الاستيراد. أما على المستوى السياسي والاجتماعي، فإن ما يجري هناك يقدم لنا دليلاً حياً ومباشراً على أن الحلول الاقتصادية مهما كانت ضرورتها، لا يمكن أن تنجح أو تؤتي أكلها دون مراعاة جادة ومستمرة للبعد الاجتماعي وللقدرة الاستيعابية للمواطن البسيط، وأن فتح أبواب الحوار والتلاحم المجتمعي هو الأمان الأول لمنع الاحتقان والحفاظ على سلامة البيوت واستقرار البلاد.

ولتفادي هذه الآثار السلبية وحماية الاقتصاد المصري -المنهك أصلاً- من شرارات الاضطرابات فى أوربا، يتحتم على الدولة اتخاذ خطوات استباقية وعملية تعزز من قدرتها على الصمود. ويأتي على رأس هذه الخطوات العمل على تنويع الأسواق السياحية والتجارية ومصادر الاستيراد، من خلال فتح آفاق أوسع مع أسواق جديدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والدول العربية، لتقليل الاعتماد المباشر والشديد على السوق الأوروبي وحده عند وقوع أي أزمة مفاجئة. كذلك يبرز التوسع في تعميق التصنيع المحلي وزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي كخط دفاع حقيقي ومحوري لتوفير البدائل الوطنية للسلع والمستلزمات المستوردة، مما يقلل من فاتورة الاستيراد الصعبة ويحمي الأسواق الداخلية من قفزات الأسعار العالمية التي تسببها اضطرابات سلاسل الإمداد في الغرب. إلى جانب ذلك، تبرز أهمية بناء مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية والمواد الخام ومصادر الطاقة، لضمان استقرار الأسواق المحلية والسيطرة على معدلات التضخم. كذلك على الاقتصاد المصري ألا يكتفي بتنويع أسواق السلع والسياحة، بل أن يتجه فوراً لتوطين التكنولوجيا الحديثة، وتطوير الاقتصاد الرقمي، وجذب الاستثمارات في مجالات الطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم لتعويض التراجع المتوقع في التدفقات الرأسمالية الغربية التقليدية  ، وإعادة التأهيل الرقمي للقوى العاملة وتطوير مهارات الشباب، لضمان استيعاب سوق العمل لتطور أدواته، وتفادي الفجوات الهيكلية بين متطلبات التكنولوجيا الحديثة والعمالة التقليدية.

 

وأخيراً، يظل المحور الأهم على الإطلاق هو تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية وتفعيل الحوار المجتمعي الدائم حول القرارات الاقتصادية، لضمان توزيع الأعباء برفق ومراعاة الفئات الأولى بالرعاية، مما يحافظ على التماسك الداخلي، ويصون استقرار البيت المصري وأمان الفئات الأشد فقرا.