نظير عياد يوضح حكم إخفاء حقيقة المرض عن المريض؟
أوضح الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، حكم إخفاء حقيقة المرض عن المريض لمصلحته، مؤكدًا أن الأصل الشرعي هو إخبار المريض بحقيقة حالته الصحية، حتى يتمكن من ترتيب شؤونه الدينية والدنيوية، إلا إذا غلب على ظن الطبيب، بناءً على خبرته ودرايته بحالة المريض، أن المصارحة بحقيقة المرض قد تؤدي إلى تدهور حالته النفسية أو العضوية بصورة مؤثرة.
وأشار مفتي الجمهورية، إلى أن إخفاء حقيقة المرض في هذه الحالة جائز شرعًا، وقد يتعين على الطبيب إذا كان الإفصاح عن التشخيص سيترتب عليه ضرر محقق أو غالب، موضحًا أن ذلك لا يُعد من الكتمان المذموم، بل يدخل في إطار التورية المأذون بها شرعًا بقدر الحاجة، والتنفيس عن المريض وتحقيق مصلحته ودفع الضرر عنه.
حكم إخفاء حقيقة المرض عن المريض شرعًا
أكدت دار الإفتاء المصرية أن حكم إخفاء حقيقة المرض عن المريض يتوقف على تقدير الطبيب المختص للمصلحة والضرر المترتب على إخباره بالتشخيص، فالأصل أن يعرف المريض حقيقة حالته الصحية، لكن هذا الأصل قد يُقيَّد إذا ظهرت مصلحة راجحة تقتضي عدم إخباره بالتفاصيل التي قد تضر به.
وأوضحت الفتوى أن الطبيب إذا غلب على ظنه، استنادًا إلى خبرته ومعرفته بالحالة الصحية والنفسية للمريض، أن إخباره بحقيقة المرض لن يترتب عليه ضرر، وجب عليه بيان الحقيقة له، ولا يجوز له كتمانها دون مبرر معتبر.
أما إذا غلب على ظنه أن المصارحة ستؤدي إلى ضرر نفسي أو عضوي مؤثر، أو ستؤثر سلبًا في مسار المرض أو استجابة المريض للعلاج، فيجوز له عدم التصريح بحقيقة الحالة، بل قد يتعين ذلك بحسب ما تقتضيه الضرورة والمصلحة الراجحة.
حفظ النفس من المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية
أوضحت دار الإفتاء أن حفظ النفس وصونها من الأذى والضرر من المقاصد الكلية التي اعتنت بها الشريعة الإسلامية، ولذلك شرع الإسلام اتخاذ الوسائل اللازمة للوقاية من الأمراض والعلاج منها، مع الرجوع إلى أهل الاختصاص والخبرة.
واستشهدت الفتوى بحديث أسامة بن شريك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تداووا؛ فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم»، رواه أبو داود والترمذي.
كما استدلت بقول الله تعالى في سورة النحل: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، مبينة أن الرجوع إلى الأطباء المتخصصين هو الطريق الصحيح لتقدير الحالة الصحية، وتحديد ما يناسبها من إجراءات علاجية وإنسانية.
لماذا يجوز للطبيب إخفاء التشخيص في بعض الحالات؟
استندت دار الإفتاء المصرية في بيان حكم إخفاء حقيقة المرض عن المريض إلى عدد من الاعتبارات الشرعية والإنسانية، أبرزها أن واجب الطبيب هو السعي إلى دفع المرض والضرر عن المريض قدر الإمكان، واختيار المسار الذي يحقق أكبر قدر من النفع ويقلل الأضرار المحتملة.
وأشارت الفتوى إلى ما قرره سلطان العلماء العز بن عبد السلام في كتابه «قواعد الأحكام»، من أن الأطباء يسعون إلى دفع أعظم المرضين بالتزام أخفهما، وتحقيق أعلى درجات السلامة والعافية بقدر المستطاع.
وبناءً على ذلك، قد يكون عدم التصريح بالتشخيص في بعض الحالات أقل ضررًا من إخبار المريض به إذا كان من شأن ذلك أن يؤدي إلى تدهور حالته النفسية أو الصحية، لا سيما في الأمراض الشديدة التي تتطلب عناية خاصة ومراعاة دقيقة لظروف المريض.
وأكدت الفتوى أن تقدير هذه المسألة لا يكون بصورة عشوائية أو لمجرد رغبة الطبيب أو الأسرة، وإنما يستند إلى خبرة الطبيب ودرايته بحالة المريض، مع مراعاة المصلحة الحقيقية للمريض والنتائج المتوقعة للإخبار أو الكتمان.
الشرع يحث على رفع الروح المعنوية للمريض
لفتت دار الإفتاء المصرية إلى أهمية التلطف مع المريض والعمل على رفع معنوياته، لما لذلك من أثر في تخفيف معاناته النفسية ومساعدته على تحمل رحلة العلاج.
واستشهدت بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا دخلتم على المريض فنفِّسوا له في أجله، فإن ذلك لا يرد شيئًا ويطيب نفسه»، وهو حديث رواه الترمذي وابن ماجه.
وأوضحت الفتوى أن المقصود بالتنفيس هو إدخال الأمل والسرور على المريض، وتخفيف ما يعانيه من خوف وقلق، بما يساعد على تحسين حالته النفسية، دون أن يعني ذلك الاستهانة بحقيقة المرض أو إهمال متطلبات علاجه.
كما أشارت إلى قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم 67 (7/5)، بشأن العلاج الطبي، الذي أكد ضرورة تقوية معنويات المريض، والاستمرار في رعايته وتخفيف آلامه النفسية والبدنية، بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه.
ضوابط إخفاء حقيقة المرض عن المريض
بيّنت الفتوى أن جواز عدم الإفصاح عن حقيقة المرض لا يعني إطلاق يد الطبيب في إخفاء المعلومات دون ضوابط، وإنما يرتبط بوجود مصلحة معتبرة وضرر متوقع من المصارحة، وفي حدود ما تدعو إليه الضرورة.
وشددت على ضرورة مراعاة عدد من الضوابط، أهمها:
- أن يكون قرار عدم الإفصاح قائمًا على تقدير طبي معتبر لحالة المريض النفسية والعضوية.
- أن يُقتصر في الكتمان على القدر الذي تدعو إليه الحاجة، دون التوسع فيه بغير مبرر.
- إبلاغ من يلزم من ذوي المريض أو الأشخاص الذين يحددهم، متى أمكن، بما يضمن توفير الرعاية اللازمة له.
- مراعاة حقوق المريض الدينية والدنيوية، والتعامل معه بطريقة إنسانية تحفظ كرامته.
- عدم اتخاذ الكتمان وسيلة للإضرار بالآخرين أو تعريضهم للخطر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

