مها سعيد مدير الاستثمار بشركة برايم القابضة للاستثمارات المالية:
تعافى الموارد الدولارية «حائط صد» أمام الصدمات
70% نسبة التحسن فى سوق المال المصرى
العظماء لا يكتفون بأن يكونوا جزءًا من المشهد، بل يصنعون مشاهد جديدة، ولا يسعون إلى حجز مقعد فى قوائم التميز بل يبتكرون ما يجعل أسماءهم جديرة بأن تتصدرها.. تذكر دائمًا أن أعظم منافسة تخوضها فى حياتك ليست مع الآخرين، بل مع النسخة التى كنت عليها؛ فكلما تجاوزتها فكرًا وطموحًا وإنجازًا، اقتربت أكثر من المكانة التى تحلم بها.. وكذلك محدثتى تمتلك الشجاعة لتفكر خارج المألوف، وتبحث عن أفكار جديدة تفتح آفاقًا لم يطرقها أحد.
لا تتردد فى خوض مغامرات تحمل فى طياتها فرصًا للتعلم والتطور؛ فبعض التجارب تمنحك النجاح، وبعضها يمنحك الخبرة التى تقودك إليه، وفى الحالتين أنت تتقدم نحو هدفك.. وعلى هذا كانت مسيرتها منذ الصبا.
مها سعيد مدير الاستثمار بشركة برايم القابضة للاستثمارات المالية، وعضو اللجنة التعليمية بالجمعية المصرية للمحللين الفنيين.. تنشغل بما يمكنها أن تضيفه، ولا تجعل طموحها محصورًا فى الوصول إلى ما وصل إليه الآخرون، بل تجعل غايتها أن تصنع ما يستحق أن يُذكر، وأن تترك بصمة تحمل ملامحها الخاصة.
على قمة مثلثٍ تتقاطع عند أضلاعه حكايات المكان وذاكرة التاريخ، يقف المبنى شامخًا فى مواجهة الميدان الذى يحمل اسم المفكر والكاتب الكبير الدكتور مصطفى محمود، تخليدًا لذكراه واعترافًا بفضله. هنا، حيث تتجاور أسماء المعالم التى أُطلقت على أحياء المنطقة منذ تخطيطها فى خمسينيات القرن العشرين، فى محاولة لترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء القومى، لا تبدو الشوارع مجرد مساحات جغرافية، بل صفحات مفتوحة من كتابٍ يروى ملامح الهوية وامتداداتها العربية.
يطل المبنى بواجهته المميزة، كأنه يحتفظ بين جدرانه بشىءٍ من روح المكان وعبق ماضيه، وتنساب تفاصيله المعمارية فى مشهدٍ تتعانق فيه الزخارف مع الذاكرة، لتروى بصمتٍ حكاياتٍ عن تاريخ المنطقة وتحولاتها. وفى الممر المؤدى إلى المدخل الرئيسى، تتجلى لوحة جمالية تتناغم فيها الفواصل الزجاجية مع الديكورات الأنيقة، فى استقبالٍ يمنح الزائر انطباعًا بأن ما ينتظره فى الداخل يتجاوز حدود المكان، إلى مساحةٍ أخرى تتشكل فيها الأفكار وتُصاغ الرؤى وتُرسم ملامح الإنجاز.
وعند المدخل، ينقسم المكان إلى جناحين، تتوزع فى الجانب الأيمن منهما مجموعة من الغرف المكتبية، تتوسطها حجرة صغيرة فى مساحتها، كبيرة بما تحتضنه من أدوار ومسؤوليات. هناك، بعيدًا عن صخب التفاصيل اليومية، تستقر منضدة مستديرة، لا تتسع لكثيرٍ من المقاعد، لكنها تتسع لاختلاف الرؤى وتعدد الأفكار.
وفى قلب هذا المشهد، تستقر أجندة صغيرة، لا توحى ملامحها بما تختزنه من كنوز الفكر والعمل؛ صفحاتٌ تتراكم فوقها تفاصيل اليوم، وتُدوَّن بين سطورها الحسابات الدقيقة، والمهام المتشابكة، إنها ليست مجرد أجندة لتسجيل المواعيد أو ترتيب الالتزامات، بل ذاكرة يومية تختزن الجهد، وتوثق القرارات.
وبين صفحات تلك الأجندة، تُكتب حكاية أخرى لا تشبه سواها؛ حكاية رحلةٍ لا تُقاس محطاتها بالزمن وحده، بل تروى بالشغف، وتصاغ بالإرادة.. هكذا، لا تبدو الأجندة الصغيرة مجرد صفحاتٍ تضم تفاصيل يومٍ عادى، بل شهادةً صامتة على أن وراء كل إنجازٍ قصة، ووراء كل قصة إرادةً اختارت ألا تكون عابرة. قصةٌ تُكتب سطورها بالصبر والمثابرة، وتُرسم ملامحها بالشغف والإصرار، حتى تترك فى الذاكرة أثرًا لا تمحوه الأيام، وبصمةً تهتدى بها الأجيال الباحثة عن معنى العزيمة، وجوهر النجاح، والقدرة على أن يصنع الإنسان من تفاصيل رحلته حكايةً تستحق أن تُروى.
حماس يضفى على التحليل حيويةً وعمقًا، موضوعيةٌ تضبط إيقاع العرض، ورؤيةٌ تستند إلى الأرقام وتقرأ ما وراء المؤشرات، وشغفٌ دائم بالبحث عن كل جديد؛ هكذا تتشكل ملامح حديثها، تتحدث عن تداعيات المتغيرات الجيوسياسية وتصاعد حدة الصراعات، التى ألقت بظلالها الثقيلة على اقتصادات العالم، وفى مقدمتها الاقتصاد المصرى. وضح أن المشهد الاقتصادى كان قد استهل مرحلةً يحيط بها التفاؤل، مع التوجه نحو تبنى سياسة نقدية تيسيرية، كان من المنتظر أن تواصل مسارها التدريجى فى خفض أسعار الفائدة، بما يدعم النشاط الاقتصادى ويخفف أعباء التمويل، ويفتح آفاقًا أوسع أمام الاستثمار.
غير أن رياح الجغرافيا السياسية جاءت بما لا تشتهى سفن التوقعات؛ فتصاعد التوترات الإقليمية أعاد ترتيب الأولويات، وفرض واقعًا اقتصاديًا مغايرًا لما كان مأمولًا. ومع ارتفاع أسعار النفط على خلفية اضطرابات الملاحة وإغلاق مضيق هرمز، وتزايد صعوبات سلاسل الإمداد، تصاعدت الضغوط التضخمية، لتجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، توازن فيها بين احتواء التضخم والحفاظ على زخم النمو الاقتصادى.
وفى خضم هذه التحولات، تبدلت حسابات السياسة النقدية، وتراجعت رهانات استمرار خفض أسعار الفائدة، لتحل محلها مخاوف من عودة التشديد النقدى، بل واحتمالات رفع الفائدة إذا استدعت الضغوط التضخمية ذلك. كما أن اتجاه الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى نحو التشدد النقدى، أو الإبقاء على الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، يضع الأسواق الناشئة أمام تحديات إضافية، فى ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض، وتراجع جاذبية بعض الأصول، وتصاعد الضغوط على تدفقات رؤوس الأموال.
< ما تقييمك لتعامل الحكومة مع مثل هذه الأزمات والمتغيرات؟
< بهدوءٍ يعكس عمق الرؤية، تجيبنى قائلة إن «الحكومة نجحت فى إدارة جانب مهم من تداعيات الأزمة باحترافية، عبر البحث عن بدائل لتأمين احتياجات السوق من المنتجات البترولية، وإبرام تعاقدات جديدة أسهمت فى امتصاص جانبٍ من الصدمات وتخفيف وطأتها على الاقتصاد».
لا تغفل التحديات الداخلية التى تلقى بظلالها على مسار النمو، وتحدّ من سرعة التعافى، لكنها ترى أن الرغبة فى الإصلاح دفعت الحكومة إلى التحرك فى أكثر من اتجاه، سواء عبر التعامل مع أعباء الديون وارتفاع تكلفتها، أو من خلال المشروعات الاستثمارية القومية الساعية إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية، وفى مقدمتها استثمارات رأس الحكمة، حيث تظل هذه التحركات، وفق رؤيتها، حلولًا داعمة فى المرحلة الراهنة، إلى أن تبدأ جهود الإنتاج والتصنيع فى جنى ثمارها، بما يعزز موارد الاقتصاد ويمنحه قدرة أكبر على مواجهة الصدمات.
وتستطرد قائلة إن «الضغوط التضخمية قد تتزايد خلال الفترة المقبلة، مرجحةً ارتفاع معدل التضخم إلى نحو 18%، بفعل زيادة أسعار المحروقات وما تفرضه من أعباء إضافية على تكلفة الإنتاج وأسعار السلع والخدمات».
تشير إلى احتمالات تعرض سعر الصرف لضغوط قد تدفع الدولار إلى مستويات تقترب من 57 جنيهًا خلال ستة أشهر، فى ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والمالية، وهى توقعات تظل رهينة بتطورات المشهد المحلى والعالمى ومسار السياسات الاقتصادية.
عزيمة لا تعرف التراجع، ورؤية تتطلع إلى ما وراء المشهد الراهن، تمضى فى قراءة مستقبل الاقتصاد، معتبرةً أن المرحلة المقبلة ستظل محاطةً بالضبابية، فى ظل تكرار مشاهد الأزمات وتداعياتها، بما يستدعى استحضار دروس الماضى، ومنها ما شهدته المنطقة عقب حرب أكتوبر عام 1973. ومع ذلك، تتمسك ببصيص أمل، ترى أن تحسن الموارد الدولارية من شأنه تخفيف الضغوط عن الاقتصاد، وامتصاص جانبٍ من الصدمات، ومنحه مساحةً أوسع لالتقاط الأنفاس.
كل إنجاز، فى نظرها، ليس نهاية الطريق، بل بداية لطموح جديد، وكل خطوة إلى الأمام تفتح الباب أمام مسارات أوسع من التطور. ومن هذه الزاوية، تنتقل إلى تقييم السياسة النقدية، ومدى رضاها عما شهدته من تطورات مقارنةً بالسنوات الماضية، التى اتسمت بموجات متلاحقة من تحرير سعر الصرف، وما صاحبها من اضطرابات واختلالات انعكست على استقرار الأسواق. وهنا، تبدو المقارنة بين الماضى والحاضر مدخلًا أساسيًا لفهم ما تحقق، وتحديد ما لا يزال مطلوبًا لتعزيز الاستقرار النقدى وترسيخ الثقة فى مسار الاقتصاد.
< كيف ترى التطورات التى شهدها ملف السياسة المالية من مرونة تسهم فى جذب مزيد من الاستثمارات؟
< تتوقف قليلًا، وكأنها تعيد ترتيب المشهد فى ذهنها، قبل أن تقول إن «هذه المرونة انعكست إيجابيًا على المنظومة الضريبية، وأسهمت فى زيادة الحصيلة الإيرادية وتوسيع قاعدة الممولين».
ترى أن هذا التطور لم يترجم بعد بالقدر الكافى إلى محفزات حقيقية للإنتاج، فى ظل التحديات التى تواجه الشركات عند التوسع فى استثماراتها، وما تفرضه من أعباء إضافية على تكلفة التمويل والإنتاج.
بخبرةٍ صقلتها سنوات من متابعة التحولات الاقتصادية، تنتقل إلى ملف الاستثمار الأجنبى المباشر، مستحضرةً أثر التقلبات الحادة فى سعر الصرف خلال السنوات الماضية، وما صاحب موجات التعويم المتتالية من تراجع الثقة وارتباك حسابات المستثمرين، وهو ما انعكس على تدفقات الاستثمارات الأجنبية.
تستطرد أن «استعادة الثقة تمثل نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة، خاصةً مع عودة تدفق الاستثمارات الأجنبية، وما يمتلكه السوق المحلى من مقومات تنافسية تؤهله للحفاظ على مكانته الإقليمية، حيث تراهن على قدرة مصر على استقطاب الكيانات الكبرى الباحثة عن أسواق أكثر استقرارًا، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام الاستثمار، ويمنح الاقتصاد فرصة لتعزيز حضوره على خريطة الاستثمار الإقليمى والدولى».
< قمت بإجراء دراسة بحثية بعنوان «دور تحليل المشاعر باستخدام الذكاء الاصطناعى ودورات السوق فى تعزيز التداول التكتيكى على مؤشر السوق السعودى تاسى».. هل تختلف عقلية المستثمر من سوق لآخر؟
< لحظات من السكون تخيم على المكان، وكأنها تستجمع أفكارها قبل أن تقطع الصمت بإجابة تحمل خلاصة رؤيتها، قائلةً إن عقلية المستثمرين تتشابه إلى حدٍّ كبير من سوق إلى آخر، وأن «سياسة القطيع» تظل حاضرة فى مختلف البورصات، حين تتراجع القرارات المدروسة أمام الانسياق وراء تحركات الآخرين، بعيدًا عن التحليل المتأنى لأداء الأسهم ومؤشراتها، وهو ما قد يقود إلى قرارات استثمارية لا تستند إلى أسس موضوعية كافية.
وتستكمل حديثها موضحةً أن الدراسة استهدفت، بصورة رئيسية، تقييم مدى إمكانية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعى، إلى جانب تحليل الدورات الزمنية للسوق، فى تحسين قراءة تحركات السوق السعودية وتعزيز كفاءة القرارات التداولية. وارتكزت على تحليل مشاعر المستثمرين من خلال المحتوى العربى المنشور عبر منصات التواصل الاجتماعى، واختبار مدى ارتباط هذه المشاعر بتحركات مؤشر «تاسى»، بما يساعد على فهم العلاقة بين الحالة النفسية للمتعاملين واتجاهات السوق.
وتشير إلى أن أهمية هذه المقاربة لا تقتصر على رصد مشاعر المستثمرين أو تفسير تحركات المؤشر، بل تمتد إلى الاستفادة من هذه المؤشرات فى دعم عملية اتخاذ القرار الاستثمارى، مع مراعاة العوامل المؤثرة فى حركة السوق ودور صانع القرار، بما يتيح قراءة أكثر شمولًا للسوق، تجمع بين التحليل الفنى، وفهم سلوك المستثمرين، والاستعانة بالأدوات التكنولوجية الحديثة.
وضوح ورؤية فى قراءة أسواق المال، تتحدث عن التحسن الكبير الذى شهدته البورصة المصرية، والذى تقدر نسبته بنحو 70%، مدفوعًا بتطور منظومة سوق المال، وإدخال منتجات مالية جديدة من شأنها تعزيز عمق السوق وتوسيع قاعدة الفرص الاستثمارية. لكنها تؤكد أن جنى ثمار هذه الأدوات لا يتحقق بين ليلة وضحاها، بل قد يستغرق ما يصل إلى أربع سنوات حتى تظهر آثارها بصورة ملموسة على أداء السوق وكفاءة تداولاته.
أتابع رويتها، إذ يتسلل إلى ذهنى سؤال حول تنوع الاستثمارات، وأفضل السبل أمام المستثمر للتعامل مع مرحلة تتصاعد فيها التوترات الجيوسياسية وتتزايد معها المخاطر، وتصبح القرارات الاستثمارية أكثر تعقيدًا وحساسية. وقبل أن أطرح سؤالى، تفاجئنى بالمبادرة إلى الإجابة، وكأنها التقطت ما يدور فى ذهنى، قائلةً إن المرحلة الراهنة تفرض على المستثمر إعادة توزيع المخاطر، وعدم تركيز استثماراته فى اتجاه واحد.
وتوضح أن التعامل مع هذه الأجواء يتطلب قدرًا أكبر من الانتقائية فى اختيار الأسهم، مع تنويع الاستثمارات بين قطاعات مختلفة، إلى جانب الذهب والسندات، بما يحقق توازنًا أفضل للمحفظة الاستثمارية، ويحد من تأثير التقلبات المفاجئة. فالتحدى، فى ظل عالم تتشابك فيه المخاطر وتتسارع فيه المتغيرات، لا يكمن فقط فى اقتناص فرص الربح، بل فى بناء محفظة قادرة على الصمود أمام الاضطرابات، وتحقيق التوازن بين العائد والمخاطرة.
بالطموح تتجاوز الإرادة حدود الممكن، ويتحول الحلم من مجرد فكرة تسكن الخيال إلى هدف يستحق السعى والتضحية، وهو ما يمنحها التميز، لكن يظل شغلها الشاغل الوصول بالقطاع التى تعمل بها إلى الريادة.. فهل تستطيع تحقيق ذلك؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض