رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

هوامش

فى توقيت لا يمكن اعتباره عابرًا، وقبيل احتفال مصر بذكرى انتصار السادس من أكتوبر، خرج وزير المالية الإسرائيلى بتسلئيل سموتريتش بتصريح يفتح الباب مجددًا أمام أطماع الاحتلال ومنطق القوة الذى لا يعترف بالحدود ولا يحترم حق الشعوب فى أرضها.

قال سموتريتش، فى مقابلة مصورة من منزله، متسائلًا: «ما الذى سيمنع مصر من مهاجمتنا؟» ثم أضاف: «إذا هاجمونا فلن تكون هناك سيناء، على الأقل»، قبل أن يقول إن ذلك «لن يحدث مرة أخرى». وقد نقلت مصادر إعلامية التصريح باعتباره تهديدًا مباشرًا بفقدان مصر شبه جزيرة سيناء فى حال اندلاع مواجهة عسكرية. 

ولأن الذاكرة المصرية لا تنسى، جاءت الكلمات فى توقيت شديد الحساسية عشية ذكرى حرب أكتوبر، الحرب التى عبر فيها الجيش المصرى قناة السويس، وبدأ مسارًا انتهى بانسحاب إسرائيل من سيناء وعودة الأرض إلى السيادة المصرية. وقد اكتمل الانسحاب الإسرائيلى من سيناء عام 1982 فى إطار معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.

لكن يبدو أن بعضهم لم يتعلم درس أكتوبر، سيناء ليست قطعة أرض يمكن أن تدخل فى مساومة سياسية، وليست غنيمة حرب يحدد مصيرها وزير أو حكومة، وليست مساحة جغرافية يمكن تهديد مصر بها كلما أراد مسئول إسرائيلى أن يخاطب جمهوره الداخلى.

سيناء أرض مصرية، والذين يعرفون التاريخ جيدًا يعرفون أن سيناء لم تعد إلى مصر ببيان سياسى، ولا بمنحة من أحد، وإنما عادت بتضحيات ودماء وقرار مصرى خاض معركة التحرير، ثم خاض معركة الدبلوماسية حتى اكتمل استرداد الأرض.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقى ليس: ماذا سيحدث لسيناء إذا هاجمت مصر إسرائيل؟. السؤال الذى يجب أن يطرح نفسه هو: ماذا تعلمت إسرائيل من تجربة احتلال سيناء وحرب أكتوبر؟

مصر لا تبحث عن حرب، ولا تعتدى على أحد، والتزامها بالسلام معروف وممتد منذ عقود. لكن السلام لا يعنى أبدًا التخلى عن الحق فى الدفاع عن الأرض والسيادة والأمن القومى.

وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة لكل من يتعامل مع مصر بمنطق التهديد، مصر لا تبدأ العدوان، لكنها لا تتنازل عن حقها فى الدفاع عن نفسها.

القيادة المصرية تؤكد دائمًا أن الأرض المصرية غير قابلة للتفريط، وأن قصة استرداد سيناء ارتبطت بالحرب والدبلوماسية والتضحيات، وأن حماية الأرض والأمن القومى ظلت من ثوابت الدولة المصرية. 

أما الجيش المصرى، فليس مجرد مؤسسة عسكرية فى الحسابات السياسية، وإنما مؤسسة تحمل فى ذاكرتها تاريخًا طويلًا من الحروب والدفاع عن الأرض.

فهى درع وسيف، وعقيدته كما يعرفها كل مصرى، ليست البحث عن مغامرة عسكرية، وإنما حماية الوطن عندما يصبح الوطن مهددًا.

ولهذا فإن تصريحات سموتريتش لم تستفز المصريين فقط لأنها تناولت سيناء، وإنما لأنها جاءت وكأنها محاولة للعبث بذاكرة وطنية ما زالت حاضرة فى وجدان ملايين المصريين.

إنه يتحدث عن سيناء كما لو كانت صفحة يمكن محوها، بينما يتذكر المصريون أنها الصفحة التى كتب فيها جنود مصر واحدة من أهم صفحات التاريخ الحديث.

يتحدث عن الأرض وكأنها يمكن أن تكون ثمنًا لحرب محتملة، بينما يعرف المصريون أن الأرض المصرية ليست ثمنًا لأى شىء.

والأكثر دلالة أن التصريح جاء فى ذكرى أكتوبر، الذكرى التى تحمل فى الوعى الإسرائيلى نفسه آثارًا سياسية وعسكرية وتاريخية عميقة. ولذلك فإن استدعاء سيناء فى هذا التوقيت يذكّر المصريين قبل غيرهم بأن ذاكرة الحروب لا تموت بمجرد توقيع اتفاقيات السلام، فالسلام قائم، لكن الذاكرة قائمة أيضًا، والحدود واضحة، والسيادة أوضح.

سموتريتش قد يكون أراد من تصريحه توجيه رسالة إلى مصر، أو إلى الداخل الإسرائيلى للخروج من أزماته السياسية، لكن الرسالة وصلت إلى المصريين بطريقة مختلفة، سيناء ليست محل تفاوض، ومصر لا تنسى من احتل أرضها، ولا تنسى كيف استعادت تلك الأرض.

ولعل الأهم أن مصر اليوم ليست مصر الأمس، هى دولة تدرك مخاطر الحرب، وتعرف قيمة السلام، لكنها فى الوقت نفسه تعرف قيمة القوة التى تحمى السلام.

ومن الخطأ أن يُفهم ضبط النفس المصرى باعتباره ضعفًا، أو أن يُفسر احترام الاتفاقيات بأنه تنازل عن الحق فى الدفاع عن الوطن.

مصر لا تحاكم أحدًا على النوايا، ولا تبحث عن معارك خارج حدودها، لكنها أيضًا لا تسمح لأحد بأن يحاكمها على أرضها أو يهددها فى سيادتها.

سيناء ليست مجرد صحراء على الخريطة.

سيناء ذاكرة شهداء، سيناء دماء جنود، سيناء عبور، سيناء أكتوبر، سيناء عادت إلى مصر، وستظل مصرية.

أما الذين يستدعون لغة الاحتلال والضم والسيطرة، فعليهم قبل إطلاق التهديدات أن يتذكروا أن التاريخ لا يبدأ من اللحظة التى يريدونها، وأن الشعوب لا تنسى أرضها، وأن الجيوش التى دافعت عن أوطانها تستطيع أن تجعل من الذاكرة درسًا للمستقبل.

فى ذكرى أكتوبر، لا تحتاج مصر إلى تهديد أحد. يكفيها أن تتذكر، وتكفى الآخرين قراءة التاريخ جيدًا، فمن لا يقرأ درس أكتوبر، قد يكرر الخطأ نفسه.

سيناء ليست ورقة فى قاموس سموتريتش، ولا ثمنًا لحرب يتخيلها، ولا أرضًا قابلة للمحو بتصريح من مسئول.

سيناء مصرية.. وستظل مصرية.

[email protected]