أستاذ علوم سياسية: كلمة رئيس الوزراء بالأمم المتحدة تؤكد ثوابت مصر بشأن سد النهضة
في وقت تتزايد فيه التحديات الإقليمية المرتبطة بأمن المنطقة واستقرارها، يظل ملف المياه في صدارة القضايا التي تحظى باهتمام الدولة المصرية، باعتباره أحد الملفات المرتبطة بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري.
وجاءت كلمة رئيس الوزراء أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لتؤكد مجموعة من الثوابت التي تقوم عليها السياسة الخارجية المصرية، وفي مقدمتها الحفاظ على الحقوق المائية، والتمسك بقواعد القانون الدولي، والدعوة إلى تسوية الخلافات عبر الحوار والمفاوضات والوسائل السلمية.
وتحمل قضية سد النهضة الإثيوبي أهمية خاصة بالنسبة إلى القاهرة، في ظل ارتباطها بمياه نهر النيل الذي يمثل المصدر الرئيسي للمياه في مصر، وهو ما يجعل أي تطورات تتعلق بإدارة الموارد المائية للنهر محل متابعة واهتمام على المستويين السياسي والاستراتيجي.
وبينما تؤكد مصر، وفق موقفها المعلن، دعمها لحق دول القارة الإفريقية في التنمية وتنفيذ المشروعات التي تخدم شعوبها، فإنها تشدد في الوقت نفسه على ضرورة أن تتم إدارة الأنهار والمجاري المائية العابرة للحدود من خلال التوافق والتعاون بين الدول، وبما لا يلحق ضررًا بدول المصب.
سد إثيوبيا في صدارة الاهتمامات المصرية:
وجاءت تصريحات الدكتور هيثم عمران، أستاذ العلوم السياسية، لتسلط الضوء على ما حملته كلمة رئيس الوزراء أمام الأمم المتحدة من رسائل بشأن ملف السد الإثيوبي، إلى جانب تأكيدها على ثوابت السياسة الخارجية المصرية في التعامل مع القضايا المرتبطة بالأمن القومي، وعلى رأسها قضية الأمن المائي، التي تحظى بمكانة خصوصًا في الحسابات المصرية.
قال الدكتورعمران، إن كلمة رئيس الوزراء أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عكست ثوابت السياسة الخارجية المصرية، إلى جانب أبرز الشواغل والتحديات التي تواجه الدولة المصرية في محيطها الإقليمي، والملفات المرتبطة بشكل مباشر بأمنها القومي.
وأوضح عمران، خلال لقائه عبر شاشة «القاهرة الإخبارية»، أن ملف السد الإثيوبي كان في صدارة الموضوعات التي ركزت عليها الكلمة، مؤكدًا أن رئيس الوزراء شدد على ثوابت الموقف المصري في التعامل مع هذا الملف، وعلى أن الأمن المائي لمصر يمثل مسألة وجودية لا تقبل المساومة.
وأشار إلى أن الرسالة المصرية تؤكد عدم التفريط في الحقوق المائية، إلى جانب رفض الإدارة الأحادية للموارد المائية العابرة للحدود، موضحًا أن الموقف المصري يعتبر أن التصرفات الإثيوبية تتعارض مع قواعد القانون الدولي، سواء القواعد العرفية أو الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
مصر تتمسك بحقوقها المائية:
وأكد عمران أن الموقف المصري ينطلق من اعتبار نهر النيل قضية ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي، وهو ما يفسر استمرار القاهرة في طرح ملف المياه على مختلف المحافل الدولية والإقليمية.
وأوضح أن تأكيد مصر على حقوقها المائية لا يعني، بحسب الطرح الذي قدمه، رفض حق الدول الأخرى في التنمية، وإنما يستهدف ضمان إدارة الموارد المائية المشتركة بطريقة تحقق مصالح جميع الدول المعنية، وتحول دون اتخاذ قرارات منفردة يمكن أن تؤثر في مصالح دول أخرى.
وأضاف أن القاهرة تتمسك بمبدأ عدم الإضرار، باعتباره أحد المبادئ الأساسية التي تحكم التعامل مع الأنهار والمجاري المائية الدولية، إلى جانب ضرورة وجود تفاهمات واتفاقات واضحة بين دول المنبع ودول المصب.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى إصرار القاهرة على المفاوضات والمساعي السلمية باعتبارها الطريق الأساسي لاحتواء الأزمة، مع التأكيد على مبدأ التشارك والتعاون بين الدول المعنية بالموارد المائية.
وفي المقابل، أشار عمران إلى ما وصفه بالتعنت الإثيوبي والسعي إلى فرض سياسة الأمر الواقع، معتبرًا أن مثل هذه الممارسات، من وجهة نظر الموقف المصري، تتعارض مع قواعد القانون الدولي التي تنظم استخدام الموارد المائية العابرة للحدود.
وأكد أن مصر لا تعارض حق أي شعب في التنمية، كما لا ترفض إقامة الدول الإفريقية للمشروعات التنموية التي تستهدف تحسين أوضاع شعوبها، وإنما تتمسك بأن تكون هذه المشروعات قائمة على التفاهم والتنسيق، وألا يترتب عليها إلحاق الضرر بالدول الأخرى.
التنمية الأفريقية لا تتعارض مع المصالح المصرية:
وفي هذا السياق، أوضح عمران أن مشاركة مصر في احتفال افتتاح سد «جوليوس نيريري» في تنزانيا تعكس دعم القاهرة لمسارات التنمية في الدول الأفريقية، وتؤكد أن الموقف المصري لا يقوم على رفض مشروعات السدود أو التنمية في القارة.
وأضاف أن القاهرة لا تحجر على حق أي دولة في تنفيذ مشروعات التنمية، وإنما تشدد على ضرورة مراعاة مصالح الدول الأخرى، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمشروعات تقام على أنهار أو موارد مائية مشتركة.
وأوضح أن الفارق الأساسي يكمن في طريقة إدارة الموارد المائية، مؤكدًا أن التعاون والتنسيق بين دول الحوض يمكن أن يحققا مصالح التنمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق دول المصب وعدم تعريضها لأضرار كبيرة.
وتابع عمران أن مبادئ القانون الدولي تمثل أحد الأطر التي تستند إليها مصر في طرح رؤيتها بشأن إدارة الموارد المائية المشتركة، مشيرًا إلى اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997.
وأوضح أن الاتفاقية تتضمن مبادئ تتعلق بالاستخدام المنصف والمعقول للمجاري المائية الدولية، إلى جانب الالتزام بعدم التسبب في ضرر ذي شأن للدول الأخرى المشتركة في المجرى المائي.
وأشار إلى أن قواعد القانون الدولي، وفق تفسيره، تضع على دول المنبع مسؤولية مراعاة مصالح دول المصب عند تنفيذ المشروعات على المجاري المائية الدولية، بحيث لا تؤدي هذه المشروعات إلى أضرار كبيرة بالدول الأخرى.
المفاوضات تظل الخيار المطروح:
وأكد أستاذ العلوم السياسية أن استمرار القاهرة في الدعوة إلى المفاوضات يعكس تمسكها بالحلول السلمية، باعتبارها المسار الذي يمكن من خلاله التوصل إلى ترتيبات تراعي مصالح جميع الأطراف.
ويرى أن التوصل إلى اتفاق واضح وملزم بشأن قواعد إدارة وتشغيل السد يمكن أن يوفر إطارًا أكثر استقرارًا للعلاقات بين دول حوض النيل، ويحد من احتمالات التصعيد أو سوء الفهم بشأن إدارة الموارد المائية.
كما أن وجود تفاهمات مشتركة يمكن أن يفتح الباب أمام تعاون أوسع بين الدول الإفريقية في مجالات المياه والطاقة والتنمية، بما يحول قضية الموارد المائية من مصدر للتوتر إلى مجال للتعاون المشترك.
وتحمل مشاركة مصر في المحافل الدولية، بحسب رؤية عمران، رسالة تتجاوز حدود الخلاف مع إثيوبيا، لتؤكد أهمية احترام قواعد القانون الدولي في إدارة الموارد الطبيعية المشتركة، خصوصًا في ظل تزايد التحديات المرتبطة بالمياه على المستوى العالمي.
ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه قضايا المياه والأمن المائي تحظى بأهمية متزايدة في العلاقات الدولية، مع ارتفاع الطلب على المياه وتأثيرات التغيرات المناخية والنمو السكاني والتنمية الاقتصادية على الموارد المائية.
ومن هذا المنطلق، تسعى مصر إلى التأكيد على أن أي ترتيبات تتعلق بنهر النيل يجب أن تراعي مصالح جميع الدول المعنية، وأن تقوم على مبادئ التعاون والتنسيق وعدم الإضرار.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
