خاص| خبير استراتيجي يكشف أهمية دخول إيطاليا على خط أزمة سد النهضة
تعود أزمة سد النهضة إلى واجهة التحركات الدبلوماسية من جديد، في ظل محاولات دولية متزايدة لإيجاد مخرج للنزاع الممتد بين مصر وإثيوبيا، والذي يرتبط بصورة مباشرة بملف الأمن المائي ومصالح دول حوض النيل. ومع استمرار حالة الجمود التي خيمت على المفاوضات خلال الفترة الماضية، برزت تحركات جديدة تسعى إلى فتح قنوات للحوار وإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض، في وقت تتزايد فيه أهمية الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن تشغيل السد وقواعد ملء وتشغيله.
وفي هذا السياق، جاءت المبادرة الإيطالية لتضيف مسارًا جديدًا إلى الجهود الرامية إلى تسوية الأزمة، بعدما أعلنت روما استعدادها للقيام بدور الوسيط بين القاهرة وأديس أبابا، مستندة إلى ما وصفته بعلاقاتها الجيدة مع الجانب الإثيوبي. ويأتي هذا الطرح في توقيت تشهد فيه الأزمة اهتمامًا دوليًا متواصلًا، مع وجود تحركات أمريكية وصينية بشأن القضية، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى قدرة التحركات الدولية المتعددة على دفع المفاوضات المتوقفة نحو مسار أكثر فاعلية.
ومن جانبه،علق الدكتور أحمد يحيى، الخبير الاستراتيجي، على التحرك الإيطالي، مؤكدًا أن دخول روما على خط الأزمة يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية ملف سد النهضة وما يرتبط به من تداعيات تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين مصر وإثيوبيا، خاصة في ظل ارتباط القضية بالأمن المائي والاستقرار الإقليمي في منطقة حوض النيل.
وأوضح أن إعلان وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني استعداد بلاده للوساطة يمثل تطورًا دبلوماسيًا يستحق المتابعة، خصوصًا أن الطرح الإيطالي يقوم على توظيف العلاقات التي تربط روما بأديس أبابا في محاولة لفتح مساحة جديدة للحوار.
وكان تاياني قد أعلن، خلال مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مطلع سبتمبر 2026، استعداد بلاده للمساعدة في التوصل إلى حل للأزمة، مع طرح إمكانية استضافة حوار بين مصر وإثيوبيا في روما خلال الأسابيع المقبلة، حال موافقة البلدين.
ورأى الدكتور يحيى أن أهمية التحرك الإيطالي لا ترتبط فقط بفكرة الوساطة في حد ذاتها، وإنما بما يمكن أن تتيحه من قناة اتصال إضافية في ملف ظل يعاني خلال السنوات الماضية من تعثر متكرر، خاصة مع عدم التوصل إلى اتفاق ملزم يحسم القضايا المرتبطة بقواعد تشغيل السد، ويضمن في الوقت نفسه مراعاة مصالح جميع الأطراف.
استئناف الوساطة
ويأتي المسار الإيطالي بالتزامن مع تحرك أمريكي سبق أن أُعلن عنه خلال يناير 2026، عندما عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد واشنطن لاستئناف الوساطة بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل للأزمة، قبل أن يجدد هذا التوجه خلال لقائه بالرئيس السيسي في يونيو الماضي، في تأكيد على استمرار الاهتمام الأمريكي بملف سد النهضة.
وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن تعدد التحركات الدولية يمكن أن يمثل عاملًا مهمًا في إعادة القضية إلى دائرة الاهتمام الدبلوماسي، خاصة إذا اتجهت هذه الجهود نحو دعم التفاوض وتشجيع الأطراف على الوصول إلى صيغة توافقية تراعي المصالح والحقوق المائية، بدلًا من بقاء الأزمة في دائرة الجمود التي استمرت لفترات طويلة.
وفي الوقت نفسه، دخل الموقف الصيني على خط التطورات الأخيرة، بعدما أكدت بكين، في البيان المشترك الصادر في أعقاب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في الثاني من سبتمبر 2026، على حق مصر في حماية أمنها المائي، إلى جانب تأكيدها أهمية التزام دول حوض النيل بالقانون الدولي.
طبيعة العلاقات المصرية الصينية
وأكد الدكتور يحيى أن الموقف الصيني يكتسب أهمية خاصة في ظل طبيعة العلاقات المصرية الصينية، وما تمثله بكين من ثقل سياسي واقتصادي على الساحة الدولية، مشيرًا إلى أن تأكيد مبادئ القانون الدولي في التعامل مع قضايا المياه يمثل عنصرًا مهمًا في أي مسار يسعى إلى الوصول إلى تسوية مستدامة للأزمة.
ولفت الخبير الاستراتيجي إلى أن نجاح أي وساطة جديدة لن يتوقف على الإعلان عنها فقط، وإنما على قدرتها على تقريب وجهات النظر وتهيئة الظروف اللازمة للوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن القضايا محل الخلاف، مؤكدًا أن أزمة سد النهضة تظل من الملفات التي تحتاج إلى معالجة دبلوماسية جادة، تقوم على الحوار واحترام قواعد القانون الدولي، وتراعي في الوقت نفسه المصالح المائية والأمنية للدول المعنية.
وتعود جذور الخلاف بين مصر وإثيوبيا إلى عام 2011، عندما بدأت أديس أبابا تشييد سد النهضة على النيل الأزرق، حيث تطالب القاهرة منذ سنوات بالتوصل إلى اتفاق ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، بما يحافظ على حقوقها ومصالحها المائية، في الوقت الذي تتمسك فيه إثيوبيا بموقفها بشأن السد باعتباره مشروعًا يرتبط بأهدافها التنموية.
وشهد مسار المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا محطات متعددة من التفاوض والتعثر، قبل أن تتجمد المباحثات مجددًا خلال عام 2024، وهو ما جعل أي تحرك دولي جديد محل اهتمام، خاصة إذا كان قادرًا على توفير ضمانات أو آليات تدفع الأطراف نحو استئناف الحوار.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

