سورة النساء.. 8 رسائل تمنحك حياة بدون ألم
قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن آيات سورة النساء من الآية 104 إلى الآية 105 تحمل جملة من التوجيهات المهمة للمؤمن، أبرزها عدم الاستسلام للفتور أو الألم، والثبات على العمل، مع التمسك بالعدل وعدم الانحياز إلى الخيانة أو الباطل.
وأوضح الدكتور علي جمعة، خلال تفسيره للقرآن الكريم، أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 104-105].
لا تجعل فتور الهمة سببًا لترك العمل
وأشار علي جمعة إلى أن الإنسان قد تمر به أوقات ترتفع فيها همته وأوقات أخرى يشعر فيها بالفتور، لكن المطلوب هو الاستمرار والثبات على الحق، وعدم جعل انخفاض الهمة سببًا للانقطاع عن العمل الصالح.
وأوضح أن الشريعة تحث على المداومة، وأن العمل القليل المستمر خير من العمل الكثير الذي ينقطع صاحبه عنه، وهو ما تؤكده السنة النبوية في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم.
وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تصف عمل النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان «دِيمة»، أي مستمرًا دائمًا، في دلالة على أهمية الاستمرار في الطاعات وعدم الانقطاع عنها.
لا تبدأ الطاعة ثم تهجرها
ومن الدروس التي استخلصها الدكتور علي جمعة من هذه المعاني، ضرورة ألا يبدأ الإنسان عبادة أو عملًا صالحًا ثم يتركه بلا سبب، مشيرًا إلى تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الانقطاع عن العبادة بعد الاعتياد عليها.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل»، والحديث رواه البخاري ومسلم.
المشقة لا تعني أنك تسير في الطريق الخطأ
وتوقف علي جمعة عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾، موضحًا أن الألم والتعب والمشقة قد تصاحب الإنسان أثناء سعيه وعمله، لكن وجود المشقة لا يعني بالضرورة أن الطريق خاطئ.
عندما تتألم تذكر أنك لست وحدك
ومن المعاني التي أبرزها الدكتور علي جمعة قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾، موضحًا أن الإنسان قد يظن أحيانًا أنه وحده الذي يتحمل الألم والمشقة، بينما يكون الآخرون في راحة، فتضعف همته.
الرجاء في الله هو الفارق
وأكد علي جمعة أن الفارق الذي يمنحه الإيمان للمؤمن وقت الشدة يتمثل في الرجاء في الله سبحانه وتعالى، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.
القرآن نزل بالحق
وانتقل الدكتور علي جمعة إلى الآية التالية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105]، موضحًا أن القرآن الكريم كتاب نزل بالحق، وأن من مهامه أن يكون مرجعًا في إقامة العدل والحكم بين الناس.
وأشار إلى أن من دلائل صدق القرآن الكريم ما ورد من وعد الله سبحانه وتعالى بحفظ كتابه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
العدل لا يتغير باختلاف الخصوم
وشدد علي جمعة على أن العدل في الإسلام لا يتغير بحسب هوية الشخص أو موقفه من المسلم، فالعدل واجب مع الجميع، ولا يجوز أن تدفع الخصومة الإنسان إلى تجاوز الحق.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
لا تنصر الخائن لمجرد الانتماء إليه
كما أوضح الدكتور علي جمعة أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يحمل تحذيرًا من الانحياز إلى الخيانة والباطل، حتى لو كان الشخص الذي يدافع عنه الإنسان قريبًا منه أو من جماعته.
دروس عملية من الآيتين
وتجمع الآيتان بين عدد من المعاني التي يحتاج إليها المسلم في حياته اليومية؛ فالألم لا ينبغي أن يكون سببًا للتوقف، والفتور لا يعني التخلي عن الطاعة، كما أن الرجاء في الله يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار.
وفي الوقت نفسه، فإن التمسك بالحق لا ينفصل عن العدل، فلا يجوز أن تتحول الخصومة إلى ظلم، ولا أن يتحول الانتماء إلى سبب لمناصرة الخيانة أو الباطل.
وهكذا، تجمع آيات سورة النساء بين الثبات وقت المشقة، والرجاء في الله، والمداومة على العمل، وإقامة العدل بين الناس، وهي معانٍ تتجاوز سياق الآيات لتقدم للمسلم منهجًا في التعامل مع الصعوبات والخصومات دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية والشرعية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض



