رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى


لعدة سنوات، ساد اعتقاد بأن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة مختلفة عن تلك التي عرفها خلال القرن العشرين. فقد توسعت قطاعات التكنولوجيا والخدمات والاقتصاد الرقمي، وارتفعت قيمة الشركات التي تقوم أعمالها على البيانات والبرمجيات أكثر من الشركات المرتبطة بالموارد الطبيعية. وفي خضم هذا التحول، بدا وكأن الطاقة فقدت شيئاً من مركزيتها القديمة في التفكير الاقتصادي.
غير أن التطورات التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة أعادت ترتيب الأولويات بصورة مختلفة. فمع ارتفاع أسعار النفط والغاز، عادت الطاقة إلى قلب النقاش الاقتصادي والسياسي، ليس لأنها مورد استراتيجي، بل لأنها كشفت حدود كثير من الافتراضات التي سادت خلال العقود الماضية.
فالاقتصاد العالمي الذي بدا قادراً على تجاوز الأزمات المالية والتجارية المتلاحقة، وجد نفسه أمام حقيقة بسيطة؛ وهي أن النمو الاقتصادي، مهما بلغت درجة تقدمه التقني، ما زال يعتمد على تدفق مستمر للطاقة بأسعار مستقرة. وحين اختل هذا التوازن، امتدت الآثار إلى قطاعات لم يكن كثيرون يتوقعون ارتباطها المباشر بأسواق الطاقة.
فارتفاع الأسعار لم يتوقف عند النفط والغاز. فقد انتقل أثره إلى النقل والشحن والصناعة والغذاء والخدمات. وبدأت الاقتصادات الكبرى تواجه ضغوطاً تضخمية لم تشهدها منذ سنوات طويلة، فيما اضطرت البنوك المركزية إلى مراجعة سياساتها النقدية، وأعادت الحكومات النظر في أولويات الإنفاق والدعم والاستثمار.
ولم تأت هذه التطورات من فراغ. فخلال السنوات التي سبقت الأزمة، انخفضت الاستثمارات في بعض قطاعات الطاقة التقليدية، مدفوعة بتوقعات التحول نحو مصادر أكثر استدامة. وفي الوقت نفسه، لم تكن البدائل الجديدة قد وصلت بعد إلى مرحلة تمكنها من تلبية احتياجات الاقتصاد العالمي بالكامل. وعندما عاد الطلب إلى الارتفاع بعد جائحة كورونا، ظهرت الفجوة بين ما يحتاجه العالم من الطاقة وما هو متاح فعلياً في الأسواق.
ثم جاءت التوترات السياسية والحروب والعقوبات الاقتصادية لتضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد. فالطاقة كانت دائماً أكثر من مجرد سلعة اقتصادية. فهي ترتبط بالأمن القومي، والعلاقات الدولية، وحركة التجارة العالمية. ولهذا، فإن أي اضطراب في مناطق الإنتاج أو النقل ينعكس بسرعة على بقية أجزاء العالم.
ومن هنا، لا تبدو الأزمة الحالية مجرد دورة جديدة من دورات ارتفاع الأسعار التي عرفتها الأسواق في مراحل سابقة. فهي تطرح أسئلة أوسع تتعلق بمستقبل الطاقة نفسه، وبالسرعة التي يمكن أن ينتقل بها العالم من نموذج اقتصادي يعتمد بصورة كبيرة على الوقود الأحفوري إلى نموذج آخر يقوم على مصادر مختلفة للطاقة.
وفي المنطقة العربية، تأخذ هذه الأسئلة أبعاداً إضافية. فالعديد من الاقتصادات العربية ارتبطت لعقود طويلة بقطاع الطاقة، سواء من خلال الإنتاج والتصدير أو من خلال الاستيراد والاستهلاك. ولهذا، فإن آثار ارتفاع الأسعار لا تظهر بصورة واحدة في جميع الدول.
فالدول المصدرة استفادت من زيادة الإيرادات وتحسن أوضاعها المالية، وهو ما وفر لها موارد إضافية للاستثمار والتنمية. لكن التجارب السابقة أظهرت أيضاً أن فترات الرواج لا تدوم بالضرورة، وأن الاعتماد على دورة أسعار السلع وحدها لا يوفر أساساً مستقراً للنمو طويل الأجل.
أما الدول المستوردة للطاقة، فقد واجهت ضغوطاً مختلفة. فارتفاع فاتورة الاستيراد انعكس على الموازنات العامة، وزاد من تكاليف الإنتاج، وأثر في مستويات الأسعار. وفي بعض الحالات، فرض على الحكومات خيارات صعبة بين احتواء الأعباء المالية والمحافظة على مستويات الدعم والخدمات.
وقد يكون الدرس الأهم في هذه المرحلة أن الطاقة لم تعد قضية تخص وزارات النفط أو شركات الإنتاج وحدها. فهي أصبحت مرتبطة بالسياسة الصناعية، والأمن الغذائي، والنقل، والاستثمار، والتنافسية الاقتصادية. ولهذا، فإن الاقتصادات التي تنظر إلى الطاقة باعتبارها جزء من استراتيجية تنموية متكاملة ستكون أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات المقبلة من الاقتصادات التي تتعامل معها بوصفها قطاعاً منفصلاً.
ومن هذا المنطلق، تكتسب مسألة التنويع الاقتصادي أهمية أكبر من أي وقت مضى. فالدول التي تمتلك موارد طاقة كبيرة تحتاج إلى تحويل جزء من عائداتها الحالية إلى استثمارات طويلة الأجل في قطاعات جديدة قادرة على توليد القيمة وفرص العمل مستقبلاً. وفي المقابل، تحتاج الدول المستوردة إلى الاستثمار بصورة أكبر في كفاءة استخدام الطاقة، وتقليل الهدر، وتطوير مصادر محلية تساعدها على تخفيف أثر التقلبات الخارجية.
كما أن التحول نحو الطاقة المتجددة لم يعد يرتبط بالاعتبارات البيئية وحدها. فخلال السنوات الأخيرة أصبح هذا التحول من حسابات الأمن الاقتصادي أيضاً. فكل دولة تنجح في تنويع مصادر الطاقة التي تعتمد عليها، تقلل من تعرضها للصدمات التي قد تنتج عن الأزمات السياسية أو اضطرابات الأسواق العالمية.
ولعل ما تكشفه التطورات الحالية أن القضية لا تتعلق بارتفاع الأسعار أو انخفاضها بقدر ما تتعلق بطبيعة المرحلة التي يمر بها الاقتصاد العالمي. فالعالم الذي انشغل لسنوات طويلة بالحديث عن الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وسرعة الابتكار، وجد نفسه يعود إلى سؤال قديم يتعلق بالطاقة وتوافرها واستقرارها. وربما لا تكمن أهمية كل ذلك في قطاع الطاقة نفسه، وإنما فيما يقوله عن الاقتصاد العالمي بأكمله. فكل مرحلة تاريخية تفرض أولوياتها الخاصة، ويبدو أن الطاقة عادت مرة أخرى لتذكر الجميع بأنها ما زالت إحدى الركائز التي يقوم عليها النظام الاقتصادي المعاصر، مهما تغيرت الأدوات وتبدلت العناوين.