الديانة الإبراهيمية.. ماذا قال القرآن عن ملة سيدنا إبراهيم؟
أوضح الدكتور عطية لاشين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون، أن القرآن الكريم حسم حقيقة ملة سيدنا إبراهيم عليه السلام، ونفى عنه الانتساب إلى اليهودية أو النصرانية، مؤكدًا أن الله سبحانه وتعالى وصفه بأنه كان «حنيفًا مسلمًا» ولم يكن من المشركين، وذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67].
وأشار إلى أن هذه الآية الكريمة تمثل بيانًا إلهيًا واضحًا لحقيقة ملة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وردًا على من ادعى أنه كان على اليهودية أو النصرانية، فالقرآن نفى الأمرين صراحة، وأثبت له الحنيفية والإسلام والتوحيد.
ماذا تعني «حنيفًا مسلمًا»؟
وبيّن الدكتور عطية لاشين أن وصف سيدنا إبراهيم عليه السلام بأنه «حنيف» يحمل دلالة واضحة على الميل عن الباطل إلى الحق، والاستقامة على التوحيد، والإقبال على طاعة الله سبحانه وتعالى.
وقد ذكر الإمام الطبري في تفسير الآية أن معنى الحنيف هو المستقيم على الهدى، المتبع لأمر الله وطاعته، وأن «مسلمًا» تعني الخضوع لله تعالى والإذعان لأمره. كما أكد المفسرون أن الآية جاءت لنفي ما ادعته اليهود والنصارى من انتساب إبراهيم عليه السلام إلى ملتهم.
وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135].
هل كان إبراهيم يهوديًا أو نصرانيًا؟
وأكد الدكتور عطية لاشين أن القرآن الكريم نفى هذا الانتساب بشكل قاطع، مشيرًا إلى أن اليهودية والنصرانية جاءتا بعد إبراهيم عليه السلام، وهو ما تؤكده الآيات التي تناولت جدال أهل الكتاب بشأنه.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 65].
وذكر الإمام الطبري في تفسيره أن الآية جاءت ردًا على جدال اليهود والنصارى في إبراهيم عليه السلام وادعاء كل فريق أنه كان على ملته، بينما بيّن القرآن أن التوراة والإنجيل أُنزلا من بعده.
ما المقصود بملة إبراهيم؟
وأوضح أن ملة إبراهيم عليه السلام تقوم على توحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة، والاستسلام له، والبراءة من الشرك، وليست مزيجًا يجمع بين عقائد متباينة.
وقد وصف القرآن إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120]، وفسر الطبري «حنيفًا» بأنه المستقيم على دين الإسلام، مؤكدًا براءته من الشرك.
كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130]، وقد بيّن الطبري أن ملة إبراهيم هي الحنيفية المسلمة.
وأشار الدكتور عطية لاشين إلى أن الاستناد إلى اسم إبراهيم عليه السلام للقول بجمع اليهودية والنصرانية والإسلام في عقيدة واحدة أو دين واحد، إذا كان المقصود منه إلغاء الفوارق العقدية بين هذه الأديان، لا يتفق مع البيان القرآني بشأن ملة إبراهيم.
فالقرآن لم يقدم ملة إبراهيم باعتبارها خليطًا من عقائد مختلفة، وإنما وصفها بالحنيفية والتوحيد والإسلام، ونفى عنه الشرك صراحة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
ويؤكد سياق سورة آل عمران أن القرآن كان يرد على دعاوى الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام، ويقرر أن الأولى به هم الذين اتبعوا ملته، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 68].
التوحيد جوهر ملة إبراهيم
ولفت إلى أن تذييل الآية بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ليس أمرًا عابرًا، وإنما يحمل تأكيدًا لمعنى التوحيد الذي قامت عليه دعوة إبراهيم عليه السلام.
وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم، إذ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 161].
ومن ثم، فإن الحديث عن ملة إبراهيم في القرآن مرتبط بالتوحيد والاستسلام لله تعالى، وليس بإلغاء الفروق العقدية أو إنشاء صيغة دينية جديدة تجمع عقائد متباينة في إطار واحد.
الفرق بين التعايش وإلغاء الفوارق العقدية
وشدد الدكتور عطية لاشين على ضرورة التمييز بين التعايش السلمي واحترام الإنسان وحسن التعامل مع المخالف في الدين، وبين التنازل عن الثوابت العقدية أو إلغاء الفوارق بين الأديان.
فالإسلام دعا إلى العدل والإحسان وحسن التعامل مع المخالف، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].
وفي الوقت نفسه، فإن حسن التعامل والتعايش لا يعني تغيير المفاهيم الأساسية للعقيدة أو اعتبار الاختلافات العقدية غير موجودة.
القرآن يحسم حقيقة ملة إبراهيم
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن القرآن الكريم قدم تصورًا واضحًا لملة إبراهيم عليه السلام، فوصفه بالحنيفية والإسلام، ونفى عنه اليهودية والنصرانية والشرك.
ومن هنا، فإن التمسك بالعقيدة لا يتعارض مع احترام المخالف أو الدعوة إلى السلام والتعايش، وإنما يقتضي الجمع بين الثبات على الثوابت الدينية وحسن التعامل مع الآخرين، دون الخلط بين المجال العقدي ومجال العلاقات الإنسانية والاجتماعية.
وتبقى الآية الكريمة: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، نصًا قرآنيًا محوريًا في بيان حقيقة ملة أبي الأنبياء، وإبراز مكانة التوحيد والاستسلام لله تعالى في رسالته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
