الخلافات ﺗﺸﻌﻞ ﻗﻤﺔ «ﺗﺮاﻣﺐ» و«ﺷﻰ»
استقبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب نظيره الصينى شى جين بينغ فى واشنطن، فى قمة تحمل مظاهر احتفالية لافتة، لكنها تنعقد وسط خلافات استراتيجية تجعل تحقيق اختراق كبير بين القوتين أمرًا بالغ الصعوبة. وبينما تسعى واشنطن إلى تثبيت الهدنة التجارية وتقليص اعتمادها على الصين فى سلاسل الإمداد الحيوية، تدخل بكين المفاوضات وهى تمتلك أوراق ضغط مهمة، أبرزها هيمنتها على المعادن الأرضية النادرة والتقدم المتزايد فى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى.
وترى رويترز أن القمة، وهى الثانية بين ترمب وشى هذا العام والأولى للرئيس الصينى فى واشنطن منذ أكثر من عقد، تركز بصورة أساسية على تمديد التهدئة التجارية، مع إمكانية التوصل إلى تفاهمات محدودة بشأن الرسوم الجمركية والمشتريات الصينية من السلع الأمريكية ومكافحة تهريب المخدرات والاتصالات العسكرية. وأعلن وزير الخزانة الأمريكى سكوت بيسنت أن البلدين اتفقا على تمديد الهدنة التجارية حتى 10 يناير، بما يمنح المفاوضين وقتا إضافيا للعمل على اتفاق أوسع.
لكن تحليل CNN يضع هذه القمة فى إطار أكثر حذرا، مشيرا إلى أن الاحتفاء الكبير بالزيارة قد يرفع سقف التوقعات فوق ما تستطيع المفاوضات تحقيقه فعليا. فالقمة، وفقا للتحليل، لا تبدو شبيهة باللقاءات التاريخية بين رونالد ريجان وميخائيل جورباتشوف التى ساعدت فى تمهيد الطريق لإنهاء الحرب الباردة، وإنما تبدو أقرب إلى محاولة لإدارة التنافس ومنع العلاقات من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ومن المتوقع أن تظل التجارة فى مقدمة الملفات، مع سعى ترمب إلى تحقيق مكاسب يمكن تقديمها للداخل الأمريكى، بينما تحاول الصين حماية مصالحها والحفاظ على أدوات الضغط التى راكمتها خلال سنوات المواجهة التجارية والتكنولوجية.
غير أن ملف المعادن الأرضية النادرة يكشف بصورة أوضح حدود قدرة واشنطن على الضغط على بكين. فالولايات المتحدة سرعت خلال الفترة الأخيرة استثماراتها فى التعدين والمعالجة والإنتاج المحلى، إلا أنها لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الصينية. وتقول بيانات Benchmark Mineral Intelligence إن إنتاج الولايات المتحدة من أكثر عنصرين من العناصر الأرضية النادرة استخداما ارتفع إلى أكثر من ثلاثة أمثال مستوياته السابقة، لكنه لا يغطى سوى نحو 42% من الطلب الأمريكى الحالى، فيما ستظل البلاد بحاجة إلى استيراد ما يقرب من ربع احتياجاتها بعد خمس سنوات.
وتضم العناصر الأرضية النادرة 17 عنصرا تستخدم فى إنتاج المغناطيسات والمواد المتقدمة التى تدخل فى صناعات السيارات وأجهزة الكمبيوتر والإلكترونيات والأسلحة والتطبيقات العسكرية. ولا تتوقف المشكلة الأمريكية عند استخراج هذه المعادن، إذ تمثل عمليات المعالجة والفصل واحدة من أكثر حلقات سلسلة الإمداد تعقيدا.
وفى هذا السياق، ترى كوكو تشانغ، المحللة فى بنك ING، أن الهدف الواقعى لواشنطن ليس إزاحة الصين من موقعها كمورد عالمى مهيمن، وإنما بناء سلسلة إمداد بديلة تكون قادرة على حماية القطاعات الاستراتيجية الأمريكية خلال فترات الاضطراب الجيوسياسى.
وتعكس هذه الرؤية طبيعة التحدى الذى تواجهه الولايات المتحدة، فحتى مع ضخ مليارات الدولارات فى شركات تعمل بمجال المعادن الحيوية، فإن بناء صناعة متكاملة لا يتطلب زيادة التعدين فقط، وإنما إنشاء قدرات متقدمة للمعالجة والتكرير وإنتاج المغناطيسات.
ويؤكد كونال سينها، مؤسس شركة Valor المتخصصة فى معالجة المعادن، أن الولايات المتحدة بحاجة إلى بناء هذه القدرات «بشكل صحيح وبإلحاح»، معتبرا أن تطوير الصناعة المحلية يمكن أن يسمح فى النهاية بتلبية الطلب الأمريكى. وفى المقابل، يحذر تود داونينج، محلل المعادن فى شركة Project Blue، من أن الدول الغربية أصبحت فى وضع أفضل لتقليل اعتمادها على الصين، لكن استبدال الإمدادات الصينية عبر سلسلة القيمة بأكملها يظل أكثر صعوبة بكثير.
وتظهر مؤشرات على أن جهود واشنطن بدأت تتحرك بالفعل، إذ تعمل شركات أمريكية على تطوير المناجم ومرافق المعالجة وتقنيات التكرير، بينما تتوسع شركات ناشئة فى ابتكار طرق جديدة لفصل العناصر الأرضية النادرة. ويقول تيم مور، محلل المعادن الأرضية النادرة فى شركة Clear Street، إن إعادة توطين إنتاج هذه المعادن داخل الولايات المتحدة تمضى قدما، لكنه يصف المرحلة الحالية بأنها لا تزال فى بدايتها.
ولا تنفصل أزمة المعادن عن المنافسة التكنولوجية. فالذكاء الاصطناعى أصبح أحد أبرز ميادين الصراع بين واشنطن وبكين، مع ارتباطه بالنمو الاقتصادى والأمن القومى والقدرات العسكرية. ويرى محللون أن المجال قد يوفر مساحة محدودة للتعاون، خصوصا فى إنشاء قنوات اتصال لمنع الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعى من التحول إلى أزمات أمنية، لكن المنافسة الحادة تجعل الاتفاقات الجوهرية محدودة.
ويكشف اختلاف موقف الطرفين عن صعوبة الوصول إلى اتفاق واسع. فواشنطن تريد الحفاظ على تفوقها التكنولوجى، بينما تعتبر بكين القيود الأمريكية على التكنولوجيا جزءا من محاولة أوسع لاحتواء صعودها. وفى الوقت نفسه، يظل استخدام الذكاء الاصطناعى فى المجالات العسكرية عاملا يزيد حساسية أى تفاهم محتمل.
وتشير قراءة CNN إلى أن اختلاف أسلوب الزعيمين يزيد صعوبة تحقيق اختراق سريع، فترمب يميل إلى الدبلوماسية الشخصية والنتائج المباشرة، بينما يتبع شى نهجا أكثر حذرا وطويل الأمد. ومع ذلك، فإن العلاقات الشخصية بينهما قد تساعد فى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومنع التوترات التجارية والأمنية من التصاعد.
وتظل تايوان وضوابط تصدير التكنولوجيا والعلاقات مع إيران من الملفات التى يمكن أن تحد من أى تقدم اقتصادى. وفى المقابل، يحتاج الطرفان إلى تجنب العودة إلى حرب تجارية شاملة يمكن أن تضرب سلاسل الإمداد العالمية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن ورقة المعادن النادرة أصبحت عاملا مؤثرا فى حسابات واشنطن. فقد قال محللون لرويترز إن هيمنة الصين على التعدين والمعالجة تمنح بكين قدرة على الرد تجعل الإدارة الأمريكية أكثر حذرا فى استخدام أدوات الضغط. وتسيطر الصين على ما يصل إلى 70% من التعدين العالمى للعناصر الأرضية النادرة ونحو 85% من قدرات التكرير، إضافة إلى قرابة 90% من إنتاج سبائك المعادن والمغناطيسات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض