تيجراي تدخل أخطر مراحل ما بعد بريتوريا.. تطويق قيادات سابقة يتزامن مع عودة القتال
تشهد دولة إثيوبيا في24 سبتمبر 2026، تصعيدًا يتجاوز حدود الاشتباكات الميدانية، بعدما تزامنت التطورات العسكرية في شمال البلاد مع تقارير عن تطويق شخصيات عسكرية وسياسية بارزة في ميكيلي، في مقدمتها الجنرال تاديسي ووردي، الرئيس السابق للإدارة الإقليمية المؤقتة لتيجراي، والعقيد تيوولدي إمبب، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية لقوات الدفاع التيغراي، إضافة إلى إيساياس تاديسي، العضو السابق في اللجنة المركزية لجبهة تحرير شعب تيجراي.
وأفادت UMD Media بأن قوات أمنية حاصرت ووريدي وإمبب، بينما ظل وضع إيساياس تاديسي غير محسوم حتى نشر التقرير.
لكن أهمية التطور لا تكمن في عملية التطويق وحدها؛ وإنما في توقيتها السياسي والعسكري، فالتوتر بين قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي والحكومة الإقليمية المؤقتة لم يبدأ اليوم، بل تصاعد خلال الأشهر الماضية حول شرعية الإدارة الإقليمية، ومستقبل قوات الدفاع التيجراي، وتنفيذ اتفاق بريتوريا، ومستقبل الأراضي المتنازع عليها.
صراع على الشرعية داخل تيغراي
كان تاديسي ووريدي يمثل إحدى حلقات المرحلة الانتقالية التي أعقبت الحرب بين عامي 2020 و2022 إلا أن الخلافات بينه وبين قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي تطورت تدريجيًا إلى أزمة سياسية مفتوحة.
ووفق تحليل حديث لمعهد SWP الألماني، مددت الحكومة الفيدرالية في أبريل 2026 ولاية الإدارة الإقليمية المؤقتة لعام إضافي، بينما رفضت جبهة تحرير شعب تيجراي القرار وأعادت تفعيل البرلمان الإقليمي السابق، ثم انتخبت في مايو دبرصيون جبرميكائيل رئيسًا للحكومة الإقليمية وبذلك أصبح في تيغراي عمليًا مركزان متنافسان للشرعية السياسية.
وهذه النقطة أساسية لفهم التطورات الحالية؛ فالصراع لم يعد ببساطة مواجهة بين أديس أبابا وميكيلي، وإنما أصبح أيضًا صراعًا داخل تيجراي حول من يمتلك القرار السياسي والأمني والعسكري.
من الخلاف السياسي إلى المجال الأمني
كانت المؤشرات السابقة على تضييق الحركة على تاديسي ووريدي موجودة قبل التطورات الأخيرة.
ففي يوليو، أفادت تقارير بأن قوات أمنية منعته من مغادرة منزله للقاء السفير الأمريكي لدى إثيوبيا، وأن قيودًا فُرضت على حركته، وهو ما أثار مخاوف مقربين منه من وضع يشبه الإقامة الجبرية.
أما التقرير الأخير عن تطويق منزله، فينقل الأزمة إلى مستوى مختلف، خصوصًا مع حديث عائلته عن محاولة قوات الأمن الدخول إلى المنزل لكن من المهم صحفيًا الفصل بين المعلومات المؤكدة والروايات المتداولة؛ فالتفاصيل المتعلقة بعدد القوات وطبيعة العملية وما إذا كان الهدف اعتقال الشخصيات أو احتجازها تحتاج إلى تحقق مستقل إضافي.
بريتوريا.. اتفاق أوقف الحرب ولم يحسم جذورها
المشكلة الأعمق أن اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب الكبرى بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيجراي لم يحسم عددًا من الملفات الجوهرية.
ويشير تحليل SWP إلى استمرار أزمة الأراضي المتنازع عليها، وملف النازحين، وتعثر برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، فضلًا عن عدم اكتمال إعادة دمج تيجراي سياسيًا في النظام الإثيوبي.
كما يقدّر التقرير أن مئات الآلاف ما زالوا نازحين داخل الإقليم، بينما تعثر مسار تسريح المقاتلين منذ 2025.
وهذه الملفات توفر البيئة السياسية التي تجعل أي احتكاك أمني قابلًا للتحول سريعًا إلى أزمة أوسع.
عودة الحرب تغيّر قواعد اللعبة
الأكثر خطورة أن تطويق القيادات يأتي بالتزامن مع عودة القتال إلى شمال إثيوبيا.
فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس في 24 سبتمبر بأن القتال المتجدد أدى عمليًا إلى انهيار الهدوء الذي أعقب اتفاق 2022، مع مواجهات بين القوات الفيدرالية وقوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيجراي.
كما أعلنت بريطانيا في اليوم نفسه إدانتها للهجمات التي نسبت إلى قوات الدفاع التيجراي في عفار وجنوب تيجراي، وللسيطرة على مطارات الإقليم، ودعت جميع الأطراف إلى وقف التصعيد والعودة إلى الحوار تحت وساطة الاتحاد الأفريقي.
وهنا تظهر خطورة التطورات السياسية داخل ميكيلي إذا تزامن التصعيد الخارجي مع تفكك داخلي في مراكز القوة التيجرانية، فإن هامش المناورة السياسية ينكمش بصورة حادة.
البعد الإقليمي
لا يمكن عزل الأزمة عن البيئة الأمنية الأوسع في القرن الأفريقي، فإعادة اشتعال تيجراي يمكن أن تتقاطع مع ملفات إريتريا والسودان وأمهرا وعفار، وهي مناطق ترتبط أصلًا بشبكة معقدة من الصراعات والتحالفات.
ويحذر تحليل SWP من أن تجدد الحرب قد يجذب أطرافًا إقليمية أخرى، ولا سيما إريتريا والسودان، بما يحول الصراع من أزمة إثيوبية داخلية إلى أزمة أمن إقليمي أوسع.
وهذا تحديدًا ما يجعل التطورات الحالية أكثر حساسية بالنسبة للقرن الأفريقي والبحر الأحمر فكلما اتسعت جغرافيا القتال، أصبح احتواؤه أكثر صعوبة، وازدادت احتمالات ارتباطه بملفات الحدود والموانئ والممرات التجارية والتحالفات العسكرية.
ماذا يعني تطويق قيادات المرحلة السابقة؟
سياسيًا، يمكن قراءة التطويق في ثلاثة مستويات، من دون الجزم بدوافع منفذيه قبل صدور معلومات رسمية موثوقة.
الأول: محاولة إحكام السيطرة الأمنية على مراكز القوة التي ارتبطت بالمرحلة الانتقالية السابقة.
الثاني: منع ظهور قيادة عسكرية أو سياسية مستقلة يمكن أن تنافس القيادة الجديدة لجبهة تحرير شعب تيجراي في لحظة الحرب.
الثالث: أن تكون الإجراءات جزءًا من إعادة ترتيب أوسع لمؤسسات الأمن داخل الإقليم مع انتقال الأزمة من حالة التوتر السياسي إلى المواجهة المسلحة.
لكن أي قراءة تتجاوز هذه الاحتمالات إلى الجزم بوجود خطة محددة ستظل سابقة لأوانها في ظل نقص المعلومات المستقلة.
الخلاصة الصحفية
ما يحدث في تيجراي لم يعد مجرد خلاف على منصب إقليمي أو نزاع داخل حزب سياسي نحن أمام تراكب ثلاثة صراعات في وقت واحد صراع على الشرعية داخل الإقليم، وصراع بين تيغراي والحكومة الفيدرالية، ومنافسة إقليمية يمكن أن تتأثر بها دول الجوار.
والأكثر دلالة أن التطورات السياسية والأمنية تسير بالتوازي مع عودة القتال، فإذا استمر هذا المسار، فإن اتفاق بريتوريا سيواجه الاختبار الأصعب منذ توقيعه، ليس فقط بسبب تجدد المواجهة العسكرية، وإنما بسبب تفكك الترتيبات السياسية التي كان يفترض أن تمنع العودة إلى الحرب.
وفي هذه المرحلة، يصبح السؤال المركزي ليس فقط: من يسيطر على تيجراي؟ بل أيضًا: هل تستطيع الأطراف الإثيوبية والإقليمية منع الصراع من التحول مجددًا إلى حرب واسعة تتجاوز حدود الإقليم؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

