رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

شامخ الشندويلى يكتب: قراءة في جماليات "فن الواو" عند الشاعر فضل محمد إبراهيم

بوابة الوفد الإلكترونية

فن الواوهو أحد أعرق ألوان الشعر الشعبي في الصعيد المصر ي، وتحديداً في محافظة قنا، وتعود تسميته إلى كلمة "وقال" التي أصلها "واو" يُستهل بها أداء المربع الشعبي. يقوم هذا الفن على نظام المربع، وهو يتألف من أربعة أشطر، ويعتمد على التكثيف اللغوي، والجناس الصوتي، والرمزية العميقة، والصور البلاغية المكثفة التي تختزل مواقف الحياة، والحب، والحكمة، والغربة في مساحة لفظية موجزة.

 

ويمتلك شاعر العامية – المنياوى- فضل محمد إبراهيم بصمة شعرية لافتة في عالم المربع الصعيدي، حيث يتجلى تمكّنه من فن الواو في قدرته الفائقة على تطويع مفردات البيئة وتفاصيل الحياة اليومية لنسج صور وجدانية مكثفة تحمل عمقاً وإيجازاً بليغاً. وقدرة على الجمع بين العاطفة الجياشة والصورة الحسية الملموسة، تجعل من مربعاته مقاطع غنائية تنساب بسلاسة إلى الأذن وتستقر في وجدان المستمع، بلا تكلف.

يقول: 

فـي القلــب تـــزرع محبّــــة

والصــدر تضحـك غيطـــانـه 

واجني الغـــرام حبّـــة حبّـــة

وافتـل حبــــاله وخيطـــانــه 

 

يتجلى في هذا المربع ثراء البيئة الصعيدية والريفية لدى الشاعر حيث استطاع بلورة عاطفة الحب من خلال استعارة مكنية ممتدة ومأخوذة من قلب الأرض والزراعة. يشبّه المحبة بزرع يُغرس في الفؤاد، ثم ينقلنا إلى صورة بديعية أخرى حيث يتسع مداها في الصدر لتتحول إلى "غيطان" يغمرها الفرح والضحك بفضل هذا الحب. وفي الشطرين الأخيرين، يستخدم التكرار اللفظي في "حبة حبة" ليعبر عن الصبر والتأني في جمع ثمار هذا الغرام، متبوعاً بصورة حسية ملموسة وهي "فتل الحبال والخيطان"، والتي تعكس تمسكه الشديد بهذه العلاقة وتوثيق عراها شيئاً فشيئاً. تظهر موهبة الشاعر هنا في سلاسة الانتقال بين الصور الحسية والوجدانية، وإحكام الصياغة الصوتية ما يمنح الأبيات إيقاعاً موسيقياً عذباً ودافئاً.

 

ويقول :

 

دخلــت فـــؤادي .. فــدقـــدق

والنبــض طــالــب رضــاهـا 

كيف فجر في الصدر شقشق

والشمس تضوي ف فضـاها 

 

في هذا المربع ينتقل فضل إلى عالم الحركة والمشاعر الفجائية الباهرة، حيث يبدأ بكلمة "فدقـدق" المحاكية لصوت ضربات القلب السريعة عند دخول المحبوبة إلى الفؤاد، وهي لفظة شعبية ذكية تمنح البيت حيوية وواقعية شديدة وفيها ابتكار. يتبع ذلك بتجسيد نبضات القلب وكأنها كائن حي يخضع للمحبوبة ويلتمس رضاها. أما الشطران الأخيران فيمثلان ذروة الصورة الشعرية، إذ يتساءل في دهشة وإعجاب كيف ينبثق الفجر وتشرق الشمس داخل صدره بفضل وجودها، مستخدماً كلمة "شقشق" التي توحي ببداية انفلاق الضوء وتبدد الظلام. تتضح مزايا الشاعر في هذا المربع من خلال قدرته على استخدام المحاكاة الصوتية، ورسم مشاهد ضوئية متفائلة، وتحويل الانفعالات النفسية الداخلية إلى صور طبيعية مبهجة تجمع بين الرقة والقوة في آن واحد.

 

ويقول:

رمش الحليــوة اللي صـابني

خــلاني ... لازم الحصـــــايـر

وهـواه مَـرَضْـنــي وعصَبـْنـي

مـلا قلبـي ..  هــــم وحسـايـر

وهنا يقدم فضل لوحة وجدانية تقطر شجناً وألماً جراء إصابته بسهم الهوى، حيث يبدأ باستعارة رمش المحبوبة كأنه سهم نافذ ألقاه طريح الفراش حتى صار "لازماً للحصاير". تتجلى مهارة الشاعر هنا في استخدام المفردات الشعبية الصريحة والدقيقة للتعبير عن أثر العشق النفسي والبدني، فتراه يعبر بكلمات مثل "مرضني وعصبني" ليعكس حالة التوتر والاعتلال التي ألمت به، ثم يختم المربع بتركيز المعاناة داخل القلب الذي امتلأ بالهموم والحسرات. تظهر براعة الشاعر في هذا المربع من خلال قدرته على إبراز الشدة العاطفية بأسلوب مباشر وصادق يلمس الوجدان، مع المحافظة على إيقاع القافية التبادلية الرنانة التي تعمق النبرة المحزونة للأبيات.

ويقول: 

فيــه نـــاس م الأصــــل نـابتين

مــا يجيبــــوا خصــــلـة رديّــــة

لــو كـــان عشــــاهـــم عنبتــين

تلقـــى نفـــــوسهــم .. رضيـّـــة

وهذا المربع يمثل انتقالة إلى عالم الحكمة والسمو الأخلاقي، حيث يتعمق الشاعر في نقد الطبائع البشرية والإشادة بكرامة النفوس وأصالتها. فيبدأ بامتداح أهل الأصل الذين ينبتون من معدن طيب لا تخرج منهم خصلة ردية أبداً، ثم يصل إلى قمة الصورة الشعرية حين يصف قناعتهم وعزة أنفسهم، فلو كان قُوتهم وعشاؤهم مجرد حبتين من العنب، فإنك تجد نفوسهم حامدة ورضية لا تشكو ولا تتبرم. تبرز موهبة الشاعر في هذا المربع من خلال التكثيف البلاغي المدهش، واستخدام الرمز المتمثل في "العنبتين" للدلالة على القلة شديدة التواضع، مع مقابلتها بالرضا النفسي الكاسح، وهو ما يعكس جوهر فلسفة فن الواو الصعيدي الذي يستمد حكَمَه العميقة من صلب الحياة البسيطة والكرامة الأصيلة.

ويقول:

النــاس معــادن وســـوق حــر

نقّـــي .. وتـمّـــن .. وفـــــاصـل 

اقنــي لــزمــــانــك راجــل حُــر 

مهمــــا يكــون اللـــي حــاصـــل

 

 

ويتجلى في هذا المربع ثراء الحكمة الإنسانية والخبرة المجتمعية لدى فضل إبراهيم حيث يستعير أسلوب البيع والشراء في "السوق الحر" ليقدم فلسفة بليغة في اختيار الأصحاب وتقييم الرجال. يبدأ بفرز المعادن البشرية، متخذاً من أفعال الأمر المتتابعة "نقّي، وتَمّن، وفاصل  منهجاً عملياً حاسماً يدعو فيه إلى التأنّي والتدقيق وتمحيص الطبائع قبل اتخاذ الخِلّ، كمن يتفحص بضاعة ثمينة في سوق مفتوح. ثم ينتقل في الشطرين الأخيرين إلى جوهر النصيحة وخاتمة الحكمة، حارثاً أرض الصداقة بالحث على اقتناء "الرجل الحر" المخلص، الذي يظل سنداً وذخيرة للزمان وتقلّباته مهما عظمت الخطوب وتغيرت الأحوال. وتبرز مهارة الشاعر في هذا المربع من خلال جناس القافية البديع، والتكثيف اللغوي الذي يجمع بين صرامة التجربة ورقة المعنى، مبرهناً على قدرته الفائقة في جعل المربع الصعيدي وثيقة أخلاقية تختزل دروس الحياة بأسلوب سلس وإيقاع يأسر الأذن.

 

ولفضل مربعات كتبها للتغنى بفن الواو نفسه وعشقه له مثل 

 

الواو دا والدي وانا ابنيه

ورّثني لحنه ... ، وربابه

لو هدّه غيري ، أنا ابنيه

وافضل حياتى ، وربابه 

أى ( ورا بابه)

 

يتجلى الوفاء المطلق والإخلاص العميق، حيث يصيغ الشاعر علاقة بنوية مع الفن نفسه، متخذاً من التناغم الصوتي للجناس التام ("ابنيه" الأولى بمعنى ولده و"ابنيه" الثانية بمعنى أشيّده، و"ربابه" الأولى اسم الآلة الموسيقية وربابه" الثانية "ورا بابه" يحرسه فإذا حاول الزمن أو العابثون هدم هذا الفن، وقف هو كالبنّاء الحريص يرممه ويحميه طوال حياته. تكمن الموهبة هنا في القدرة على صهر المشاعر الوجدانية في قالب التحدي والوفاء لإرث الأجداد.

في الواو معانا الحَصانة

فِي ديوانه ، نكتب ونقرا

في ايدينا مربط حصانه

ما فْ مرّة تعتر في نقرة

فينتقل الشاعر إلى إبراز الثقة المطلقة والتمكن الاقتداري من أدوات هذا الفن، حيث يحول الواو من مجرد أسلوب غنائي إلى "قلعة وحصانة" تمنح الشاعر قدرة وحماية فكرية ولغوية. وتبرز البلاغة مجدداً عبر التلاعب اللفظي والجناس المتقن بين "الحَصانة" التي تعني المنعة والتمكين، و"حصانه" المقترنة بالفروسية والسيطرة. يصور الشاعر موهبته بفرس أصيل يمسك بزمامه وقافيته بكل ثبات في ميدان شعر الواو، فلا تضل خطاه ولا "تعثر في نقرة" أو كبوة لغوية. يعكس هذا المربع اعتزاز الشاعر الشديد بذائقته وتمكنه السلس من أوزان المربع وشروطه، مؤكداً أنه يتصدر ديوان الواو كتابةً وقراءةً عن جدارة واستحقاق.ونلاحظ  هنا مدى اعتزازه بموهبته فى فن الواو وتمكنه منه

وهكذا يقف الشاعر فضل إبراهيم في مشهد الشعر الشعبي كعَلَمٍ من أعلام المربع الصعيدي، محامياً أميناً وحارساً مخلصاً لعرش "فن الواو" في زمن تحولت فيه الكثير من الفنون التراثية إلى مجرد ذكريات مدونة. إن تسلمه لراية هذا الفن العريق مع شركاء من شعراء جيله الموهوبين –سوف نعرف بهم لاحقاً إن شاء الله -   لم يكن مجرد امتداد عابر للماضي، بل جاء امتداداً واثقاً ومستحقاً لرحلة عمالقة رحلوا وتركوا في أوجاع الصعيد وأفراحه أثراً لا يمحى، فجاء فضل وجيله ليحمل الراية.

وتتجلى جدارة الشاعر بحمل هذا اللواء في إدراكه العميق لطبيعة فن الواو، فهو يدرك تماماً أنه ليس مجرد رصٍّ للقوافي أو استعراضٍ للجناس، بل هو فلسفة حياة وحكمة تكثف التجارب الإنسانية في أربعة أشطر تخاطب الوجدان بلمحة إعجازية. بمهارة الفارس وشغف الابن البار، استطاع فضل أن يمزج بين أصالة المفردة البيئية الصعيدية الشديدة النقاء، وبين رشاقة التعبير وعصريته، مخترقاً الجدار الفاصل بين الموروث الحصين والذائقة الحديثة، ليثبت للجميع أن خطواته ثابتة وقدميه راسختان على الأرض ذاتها التي مشى عليها الكبار من قبله.

على الرغم من الرحابة الإبداعية التي يتمتع بها الشاعر فضل إبراهيم، والتي تتجلى بوضوح في قدرته الفائقة على كتابة القصيدة الطويلة بأبعادها المتنوعة، وإتقانه لشعر الفصحى ، فضلاً عن براعته المشهودة في صياغة الموال وفن المتلوت بشجنه وشروطه الخاصة، إلا أن ارتباطه الوثيق وعشقه الاستثنائي لفن الواو يظلان العلامة الفارقة والأبرز في مسيرته، فهذا الفن تحديداً هو المحراب الذي تتجلى فيه أصفى صور موهبته، ليظل الواو عشقه الأول وميدانه الأثير الذي يُعرف به ويتفوق فيه. فضل من الشعراء الذين يجب أن يعرفوا لأن هذا حقه وحق الجمهور من عشاق شعر العامية وخصوصا مربعات الواو البديعة.