رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

بعد إغلاق مستشفى بمدينة نصر

»اﻟﻮﻓﺪ« ﺗﻔﺘﺢ ﻣﻠﻒ اﻷﺧﻄﺎء اﻟﻄﺒﻴﺔ

بوابة الوفد الإلكترونية

طفل يتوفى بعد إجراء عملية استئصال اللوزتين.. وأخرى تدفع حياتها ثمنًا للزائدة 

الإنذار.. الوقف عن العمل والشطب من النقابة عقوبات مهنية.. والسجن فى انتظار المقصرين

مطالب بتوثيق مرئى للعمليات الجراحية لمحاسبة المسئولين 

 

ما زال مسلسل الأخطاء الطبية مستمرا، يروح ضحيته الأبرياء الذين سعوا للبحث عن علاج لآلامهم فى المستشفيات، فلم يجدوا سوى الإهمال الذى أودى بحياتهم تاركا الحيرة والحسرة لمن حولهم، ويستوى فى ذلك المستشفيات العامة والخاصة معا.

فمؤخرا أغلقت وزارة الصحة أحد المستشفيات الخاصة بمدينة نصر بعد وفاة طفل بسبب إجراء عملية استئصال اللوزتين به فى أوائل الشهر الجارى، وأكدت إدارة العلاج الحر بالوزارة أن الإغلاق تم بعد رصد مخالفات تتعلق بعدم اتباع سياسات مكافحة العدوى، وعدم استيفاء الملف الطبى، وعدم الالتزام بالإجراءات الطبية المتعارف عليها.

قبلها بأيام قليلة توفيت الطفلة علية غنيم بعد أن دخلت المستشفى لإجراء جراحة لاستئصال الزائدة الدودية، كما توفى طفل آخر بمستشفى جامعة أسيوط نتيجة نقل دم من فصيلة غير متوافقة معه.

هذه الوقائع أثارت علامات استفهام واسعة حول سلامة المرضى داخل المنشآت الصحية، وما إذا كانت هذه الحالات مجرد أخطاء فردية أم أنها تكشف عن ثغرات فى منظومة الرعاية الصحية تحتاج إلى مراجعة.

وما بين هذا وذاك، تظل أسرة المريض هى الطرف الأكثر ألما، بعدما دخل ذووهم المستشفيات بحثا عن العلاج، وانتهت بعض هذه الرحلات بفقدان أحبابهم، وسط اتهامات بالإهمال الطبى ومطالبات بالتحقيق وكشف الحقيقة،

ولأن الأخطاء الطبية ليست قاصرة على مستشفى حكومى أو خاص أو جامعى، لذلك تبدو المشكلة أوسع من مجرد مكان لتقديم الخدمة الطبية. 

خطأ أم مضاعفات؟

فى هذا الإطار، تقول الدكتورة إيرين سعيد إن الحديث عن الأخطاء الطبية يجب أن يكون قائما على التفرقة بين أكثر من حالة، موضحة أن ليس كل ما يحدث داخل المستشفيات يعد خطأً طبيًا أو إهمالًا، فهناك مضاعفات طبية معروفة قد تحدث رغم الالتزام الكامل بالأصول العلمية.

وأوضحت أن بعض المضاعفات تنتج عن طبيعة جسم المريض أو استجابته للعملية الجراحية أو الإجراء الطبى، وهى أمور واردة ومعروفة علميًا، ويتم توضيحها فى المراجع الطبية، وقد تحدث حتى مع الالتزام الكامل بالإجراءات والبروتوكولات الطبية. وأضافت أن وقوع مثل هذه المضاعفات لا يعنى بالضرورة وجود تقصير من الفريق الطبى.

وأشارت إلى أن هناك أيضًا أخطاء غير متعمدة، قد تحدث رغم اتخاذ الإجراءات اللازمة، لافتة إلى أن المجال الطبى يشهد آلاف العمليات والإجراءات الطبية، ومن الطبيعى أن تقع بعض الأخطاء المحدودة، إلا أنها تخضع للمراجعة والمساءلة وفقًا لما ينظمه القانون، وقد يترتب عليها تعويضات أو مسئوليات بحسب كل حالة.

وأكدت أن النوع الأخطر يتمثل فى الأخطاء الناتجة عن الإهمال أو نقص الخبرة أو عدم حصول الفريق الطبى على التدريب الكافى، أو عدم الالتزام بالمعايير المهنية داخل المنشآت الصحية. مثل: عدم الالتزام بإجراءات مكافحة العدوى أو التقصير فى تطبيق معايير النظافة، وهو ما قد يؤدى إلى انتقال العدوى أو حدوث مضاعفات كان يمكن تجنبها.

وشددت على أن الفصل بين المضاعفات الطبية والخطأ غير المقصود والإهمال الطبى لا يتم بناء على الانطباعات أو الاتهامات، وإنما من خلال فحص دقيق لكل حالة على حدة، ودراسة الملف الطبى والإجراءات التى تم اتخاذها والظروف المحيطة بالواقعة.

وأوضحت أن قانون المسئولية الطبية منح اللجنة المختصة دورا أساسيا فى تقييم الشكاوى، حيث تتولى فحص جميع الملابسات والاستماع إلى الأطراف المعنية ومراجعة المستندات والتقارير الطبية، قبل تحديد ما إذا كانت الواقعة تمثل مضاعفة واردة، أو خطأً غير مقصود، أو إهمالًا يستوجب المساءلة، مؤكدة أن هذا التقييم هو الضمانة الأساسية لتحقيق العدالة، سواء للمريض وذويه أو للطبيب الذى التزم بالأصول العلمية ولم يرتكب أى تقصير.

حماية المريض

ومن جانبه، أكد الدكتور أحمد القرمانى، أستاذ القانون الجنائى والمحامى،  أن المسئولية الطبية فى القانون المصرى تقوم على تحقيق التوازن بين حماية حق المريض فى سلامته الجسدية، وحماية الطبيب أثناء أداء عمله، موضحًا أن الخطأ الطبى لا يتحول تلقائيا إلى جريمة، وإنما يتم تحديد المسئولية وفقًا لطبيعة الخطأ ودرجة جسامته والنتائج المترتبة عليه.

وأوضح أن المسئولية الجنائية تتحقق عندما يخرج الطبيب بشكل جسيم عن الأصول العلمية والمهنية المستقرة، مشيرا إلى أن قانون العقوبات ينظم بعض صور المسئولية، ومنها حالات القتل الخطأ والإصابة الخطأ، بينما نظم قانون المسئولية الطبية وسلامة المريض رقم 13 لسنة 2025 حالات الخطأ الطبى الجسيم والعقوبات المقررة لها.

وأضاف أن القانون يميز بين المضاعفات الطبية المعروفة علميا، والخطأ الطبى، والإهمال، مؤكدًا أن المضاعفات التى تحدث رغم اتباع الطبيب للأصول العلمية المتعارف عليها لا تعنى بالضرورة وجود مسئولية جنائية، بينما تختلف الأمور إذا ثبت وجود تقصير أو إهمال أو خروج جسيم عن القواعد المهنية.

وأشار إلى أن قانون المسئولية الطبية حدد حالات للخطأ الطبى الجسيم، من بينها ممارسة العمل الطبى تحت تأثير مسكر أو مخدر أو مؤثر عقلى، والامتناع عن تقديم المساعدة الطبية فى الحالات التى تستوجب ذلك رغم القدرة على تقديمها، وكذلك تعمد ممارسة المهنة خارج نطاق التخصص فى غير حالات الطوارئ.

وأوضح «القرمانى» أن العقوبة تختلف بحسب نتيجة الخطأ، فإذا ثبت وقوع جريمة نتيجة خطأ طبى جسيم، فقد تصل العقوبة إلى الحبس والغرامة، بينما تشتد العقوبة فى حالة ترتب عاهة مستديمة أو وفاة المريض، وفقًا لما نص عليه القانون.

وشدد على أن إثبات الخطأ الطبى لا يعتمد فقط على نتيجة العلاج أو وفاة المريض، وإنما يحتاج إلى فحص فنى يحدد ما إذا كان الإجراء الطبى قد تم وفقًا للأصول العلمية أم شابه تقصير، مع ضرورة إثبات العلاقة بين الخطأ والضرر الذى وقع على المريض.

وللحد من تكرار الأخطاء الطبية، دعا «القرمانى» إلى التوسع فى استخدام الملفات الطبية الإلكترونية، وتحديث البروتوكولات العلاجية، وتسريع عمل اللجان الفنية المختصة، وتحسين بيئة العمل داخل المنشآت الصحية، مؤكدًا أن حماية المريض لا تتعارض مع حماية الطبيب من الاتهامات غير المستندة إلى دليل.

وأكد أن أى تطبيق للتوثيق المرئى يجب أن يراعى السرية والخصوصية، وألا يسمح بالاطلاع على التسجيلات إلا للجهات المختصة عند وجود نزاع، مع وضع ضوابط واضحة لحفظها ومنع تسريبها أو تداولها.

 

الطب الدفاعي

قال الدكتور أحمد عمر بحلس عضو مجلس النقابة العامة للأطباء، أن الأصل فى العلاقة بين الطبيب والمريض هو أن هدف الطبيب الأساسى هو الحفاظ على سلامة المريض، مشيرا إلى أن وجود نية لإيذاء المريض أمر غير وارد، بينما قد تظهر حالات إهمال مرتبطة بممارسات غير مرخصة أو ممارسة الطبيب لعمل خارج تخصصه.

وفى هذا السياق بيَّن أن الطب فى مختلف دول العالم يتضمن ما يعرف بالمضاعفات الطبية وهى أمور قد تحدث رغم اتباع الطبيب الأصول والقواعد المتعارف عليها، ولا تعنى بالضرورة وجود خطأ أو إهمال طبى، وضرب مثالا بعمليات شفط الدهون موضحا أنه قد تحدث بعدها مضاعفات مثل تجمع السوائل أو ما يعرف بالسيروما وهى من المضاعفات المتوقعة التى يمكن التعامل معها من خلال المتابعة والعلاج المناسب.

وحذر «بحلس» من أن الخلط بين المضاعفات الطبية والأخطاء المهنية قد يؤدى إلى عزوف الأطباء عن التخصصات والجراحات الدقيقة والصعبة، خوفا من المساءلة، وهو ما قد يدفع المنظومة الطبية إلى ما وصفه بـ«الطب الدفاعى»، حيث يلجأ الطبيب إلى طلب عدد كبير من الفحوصات والإجراءات الطبية، بعضها قد لا يكون ضروريا، بهدف حماية نفسه قانونيا، مما يزيد من الأعباء المالية على المريض.

ولفت إلى أن الأخطاء والمضاعفات الطبية موجودة فى مختلف دول العالم لكن التعامل معها يختلف من دولة إلى أخرى، مشيرا إلى وجود أنظمة تأمينية فى العديد من الدول تغطى المضاعفات والأخطاء الطبية، بما يضمن حماية المريض والطبيب فى الوقت نفسه، إلى جانب وجود آليات واضحة للتقاضى لا تجعل الطبيب متهما جنائيا فى حالة حدوث خطأ طبى.

وأضاف أن نقابة الأطباء تدخلت خلال مناقشة قانون المسئولية الطبية، بعدما رأت أن بعض الصياغات الأولية للقانون كان من الممكن أن تؤدى إلى تخوف الأطباء من ممارسة بعض التخصصات، مشددا على أن القانون الحالى لا يمكن القول إنه مثالى 100%، مؤكدا أن هناك بعض النقاط التى تحتاج إلى تعديل بما يحقق التوازن بين حماية المريض وعدم تخويف الطبيب من ممارسة مهنته.

وانتقد عضو مجلس نقابة الأطباء طريقة تناول بعض وسائل الإعلام لملف الأخطاء الطبية، معتبرا أن هناك أحيانا مبالغة فى تقديم الوقائع بصورة مثيرة على حساب التفاصيل الطبية والقانونية، خاصة مع اعتماد الجمهور بشكل متزايد على المحتوى السريع عبر مواقع التواصل الاجتماعى.

وأوضح أن جزءا من الغضب المجتمعى تجاه المنظومة الصحية لا يرتبط بالطبيب وحده، وإنما يرتبط أيضا بمشكلات أوسع فى مستوى الخدمة الصحية والإمكانات والتمويل، مشيرا إلى أن الطبيب يجد نفسه فى كثير من الأحيان فى مواجهة مباشرة مع غضب المرضى بسبب نقص بعض الخدمات أو الإمكانات التى لا يملك الطبيب نفسه توفيرها.

وأشار إلى أن تدنى أجور الأطباء وطول ساعات العمل يمثلان جزءا من الأزمة، موضحا أن متوسط الأجور الذى يبلغ نحو 7 آلاف إلى 7500 آلاف جنيه، مقابل ساعات عمل قد تصل إلى أكثر من 72 ساعة أسبوعيا أو أكثر، فضلا عن النوبتجيات التى قد تمتد إلى 24 ساعة متواصلة فى بعض الحالات.

وأكد أن حل أزمة العلاقة بين مقدم الخدمة الطبية ومتلقيها لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال تحميل أحد الطرفين المسئولية، وإنما يحتاج إلى معالجة شاملة لاحتياجات المنظومة الصحية وتحسين ظروف العمل والإمكانات

وأشار إلى أن نسبة الحالات التى يثبت فيها وجود خطأ مهنى، مقارنة بإجمالى القضايا التى تنظرها لجان المسئولية الطبية محدودة، مؤكدا أن مجرد حدوث مضاعفة أو نتيجة غير متوقعة لا يعنى بالضرورة ثبوت خطأ طبى أما المخالفات الأخلاقية، مثل الدعاية الطبية المضللة أو ادعاء تقديم علاجات غير مثبتة علميا، أو ممارسة الطبيب تخصصا غير تخصصه بما يترتب عليه من مشكلات، تحال إلى لجنة التأديب بالنقابة.

وأضاف أن العقوبات التأديبية تختلف بحسب طبيعة المخالفة وجسامتها، وقد تبدأ بالإنذار ولفت النظر، وتصل إلى الإيقاف عن ممارسة المهنة لفترات محددة، وصولا إلى الشطب من سجلات النقابة والمنع من ممارسة المهنة.