بورصة مفلسة
يبدو أن البورصة المصرية قد بلغت أخيرًا «الكمال».. فلا ملفات عالقة، ولا أزمات تبحث عن حلول، ولا أدوات جديدة تنتظر التطوير، ولا شركات تحتاج إلى إعادة النظر فى أوضاعها، حتى إن خريطة المستقبل لم تعد بحاجة إلى استراتيجية ترسم ملامحها.. وكأن كل ما كان ينقص السوق قد تحقق، ولم يعد أمام الإدارة سوى البحث عن ملفات جانبية، والانشغال بتفاصيل لا تضيف كثيرًا إلى عمق السوق أو قدرته على النمو.
المتابع لمسيرة البورصة المصرية على مدار السنوات الماضية، يلاحظ أن كل إدارة جديدة كانت تحرص على وضع استراتيجية واضحة، تحدد من خلالها أولويات المرحلة، وتكشف عن رؤيتها لتطوير السوق وتعزيز قدرته على المنافسة. ولم يكن هذا النهج جديدًا، ولعل آخر النماذج البارزة كانت استراتيجية أحمد الشيخ، رئيس البورصة الأسبق، التى أُعلنت مع بداية عام 2024، وجاءت فى نحو 33 صفحة، تضمنت 7 محاور رئيسية، شملت تحديث الإطار التشريعي، والطروحات، وقواعد القيد، والأسواق والأدوات المالية، والترويج للبورصة، ونشر الثقافة الاستثمارية، إلى جانب عدد من الملفات الأخرى، التى بدأ العمل على تنفيذ ما أمكن منها خلال فترة توليه المسئولية.
أما المشهد الحالي، فلا يسر عدوًا ولا حبيبًا.. إذ لم تعلن الإدارة الجديدة، حتى الآن، عن استراتيجية واضحة للمرحلة المقبلة، أو خريطة طريق تكشف ما الذى تريده للبورصة خلال السنوات القادمة، وكأن شعار المرحلة أصبح «يوم بيوم.. والله المستعان».
الصورة توحى وكأن السوق قد استوفى جميع احتياجاته، وبلغ منتهاه، ولم تعد هناك ملفات جوهرية تستحق أن تتصدر أجندة الإدارة، حتى انتقل الاهتمام إلى البحث عن بروتوكولات تعاون مع الجامعات والأكاديميات، لإتاحة الفرصة للعاملين بالبورصة للحصول على درجات علمية عليا، سواء الماجستير المهنى أو الدكتوراه المهنية، تحت عنوان رفع الكفاءة وتطوير القدرات المهنية.
لا أحد يعترض بالطبع على تطوير العنصر البشرى أو الاستثمار فى الموظفين، فهذا أمر مطلوب فى أى مؤسسة، لكن السؤال هنا ليس عن أهمية التعليم والتدريب، وإنما عن الأولويات.. وهل هذا هو الملف الذى يحتاج إلى أن يتصدر المشهد فى وقت تواجه فيه السوق تحديات أكثر عمقًا وتأثيرًا؟
هذه الدراسات ليست مجانية، وإنما تتم مقابل مبالغ مالية، مع منح خصومات للمستفيدين، بما يطرح سؤالًا آخر حول الجدوى الحقيقية للبروتوكول، ومن المستفيد الأول منه، خصوصًا أن البورصة المصرية لديها تاريخ طويل فى التعامل مع أكاديميات ومؤسسات تعليمية وتدريبية معروفة.
من هنا تبرز علامات استفهام حول جدوى بعض هذه البروتوكولات، وما الذى ستضيفه فعليًا إلى أداء البورصة والسوق، بعيدًا عن العبارات التقليدية من نوع «تأهيل العنصر البشري» و«تبادل الخبرات» و«رفع الكفاءة».. وهى عبارات تبدو براقة على الورق، لكن الأهم هو ما الذى ستتركه على أرض الواقع.
أقولها بوضوح.. ما أخشاه أن تتحول بعض هذه الملفات إلى مساحة تبحث فيها مصالح ضيقة عن موطئ قدم، بينما تظل الملفات الأكثر إلحاحًا فى انتظار من يفتحها.
كنت أتمنى أن تتجه البورصة إلى ملفات أكثر التصاقًا بجوهر السوق، وأكثر قدرة على تعميق التداول وزيادة جاذبية الاستثمار، وفى مقدمتها ملف الشركات التى لا تزال رؤوس أموالها المقيدة فى السوق الرئيسى دون 100 مليون جنيه، رغم أنها كيانات كبيرة تحقق أرباحًا بمليارات الجنيهات.. فكيف يستمر هذا التناقض دون معالجة حقيقية؟
وماذا عن ملف التداول الحر الذى لا تزال نسبه منخفضة فى عدد غير قليل من الشركات؟ ولماذا لا تتحرك البورصة بأفكار وآليات جديدة لزيادة هذه النسب، بما يرفع معدلات السيولة، ويوسع قاعدة الأسهم المتاحة للتداول، ويمنح السوق عمقًا أكبر؟.. هذه هى الملفات التى تستحق أن تتصدر جدول الأعمال.. ملفات تمس قلب السوق، وتؤثر بصورة مباشرة فى السيولة، والتداول، وجاذبية البورصة، وقدرتها على جذب مستثمرين جدد.
< يا سادة.. البورصة لا تحتاج إلى مزيد من البروتوكولات التى قد تنتهى حبرًا على ورق، بقدر ما تحتاج إلى أفكار جريئة، وحلول غير تقليدية، وقرارات تصنع فارقًا حقيقيًا فى عمق السوق.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض