رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

النفط والرسوم والفائدة.. كيف يضغط الصراع الجيوسياسي على الأسعار في الصين؟

صورة تظهر بريمة نفط
صورة تظهر بريمة نفط كروكية مع عملات دولارية

تشهد الأسواق الصينية ضغوطا اقتصادية متزايدة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية عالميا، بالتزامن مع اضطرابات أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب تحركات أسعار الفائدة واتساع الفارق بين عوائد الأصول المقومة بالدولار والعوائد الصينية، وهي عوامل تنعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على تكاليف الإنتاج والأسعار للمستهلكين.

 

وتشير التطورات الاقتصادية الدولية إلى أن الصين، رغم امتلاكها مجموعة من الأدوات التي تساعدها على امتصاص الصدمات الخارجية، مثل احتياطيات الطاقة والفائض التجاري وإدارة سعر الصرف وقوة الصادرات، لا تستطيع عزل اقتصادها بشكل كامل عن تداعيات الأزمات الجيوسياسية التي تضرب أسواق النفط والتجارة العالمية.

ارتفاع أسعار النفط يضغط على تكاليف الإنتاج

يمثل النفط أحد أبرز مصادر الضغوط على الاقتصاد الصيني، خاصة مع ارتفاع أسعار الخام نتيجة اضطراب حركة الملاحة في مناطق استراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين والنقل البحري.

 

ولا يتوقف تأثير ارتفاع أسعار النفط عند فاتورة استيراد الخام، إذ تمتد تداعياته إلى تكلفة نقل المواد الخام والسلع، فضلا عن ارتفاع تكاليف التأمين والتمويل التجاري، وهو ما يزيد الأعباء على الشركات والمصانع.

 

ومع اضطرار بعض السفن إلى تغيير مساراتها أو الانتظار لفترات أطول، ترتفع تكلفة سلاسل الإمداد، كما تتأخر عمليات وصول البضائع والطاقة، وهو ما يؤدي إلى تجميد جزء من رأس المال داخل عمليات النقل والتخزين.

 

وتظهر هذه الضغوط بصورة أكبر في الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، مثل الحديد والأسمنت والكيماويات والبلاستيك والزجاج والمنسوجات والإلكترونيات، حيث يمثل ارتفاع تكلفة الطاقة والنقل عاملا مؤثرا في تكلفة الإنتاج النهائية.

 

من المصانع إلى أسعار السلع

تتحمل الشركات في البداية جزءا من الزيادة في التكاليف من خلال تقليص هوامش أرباحها، خاصة في ظل المنافسة القوية وضعف الطلب المحلي، إلا أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن قد يدفع بعض الشركات إلى تمرير جانب من هذه الزيادة إلى المستهلكين.

 

وقد تلجأ الشركات في المقابل إلى خفض الإنتاج أو تأجيل خطط التوسع والاستثمار، إلى جانب تقليص عمليات التوظيف، إذا لم تتمكن من تعويض الزيادة في تكلفة المدخلات.

 

وتختلف سرعة انتقال هذه الضغوط إلى الأسعار من قطاع إلى آخر، إذ يمكن للمخزونات الاستراتيجية وتنظيم أسعار بعض منتجات الطاقة محليا أن يحدا من التأثير المباشر على المستهلك، لكنهما لا يمنعان انتقال الضغوط بصورة تدريجية إلى بقية قطاعات الاقتصاد.

 

يمكن أن تبدأ تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة في الظهور داخل أسعار المنتجين وهوامش أرباح الشركات قبل أن تصل إلى المستهلك النهائي، ثم تنتقل تدريجيا إلى تكاليف النقل والشحن والسلع الغذائية والمنتجات الصناعية والاستهلاكية.

 

وبالتالي، فإن تأثير ارتفاع أسعار النفط لا يقتصر على أسعار الوقود فقط، وإنما يمتد إلى تكلفة توصيل المنتجات والسفر والنقل والغذاء والعديد من السلع التي تعتمد في إنتاجها أو توزيعها على الطاقة.

 

إلى جانب أسعار الطاقة، تمثل تحركات أسعار الفائدة الأمريكية عاملا مهما بالنسبة للاقتصاد الصيني، إذ إن ارتفاع عوائد الأصول المقومة بالدولار مقارنة باليوان يمكن أن يوسع فجوة العائد بين السوقين.

 

وقد يؤدي استمرار هذه الفجوة إلى زيادة الضغوط على العملة الصينية، في وقت تحاول فيه بكين الحفاظ على استقرار اليوان ودعم النشاط الاقتصادي المحلي.

 

كما أن ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة قد يحد من مساحة خفض أسعار الفائدة الأمريكية، وهو ما ينعكس على حركة رؤوس الأموال وأسعار الصرف وتدفقات الاستثمار عالميا.

 

وتأتي الرسوم التجارية ضمن مجموعة العوامل التي تضيف مزيدا من الضغوط إلى حركة التجارة العالمية، خاصة بالنسبة للاقتصاد الصيني الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات والأسواق الخارجية.

 

وأي زيادة في تكلفة التجارة أو تراجع في الطلب الخارجي يمكن أن تؤثر على هوامش الشركات الصينية وقدرتها على الحفاظ على مستويات الإنتاج، كما قد تدفع الشركات إلى إعادة ترتيب سلاسل التوريد والأسواق المستهدفة.

 

ورغم امتلاك الصين أدوات اقتصادية تساعدها على امتصاص جانب من الصدمات، فإن تزامن ارتفاع أسعار النفط مع اضطرابات الشحن والفائدة الأمريكية والرسوم التجارية يجعل التأثير أكثر تعقيدا.

 

وتظل قدرة الاقتصاد الصيني على احتواء هذه الضغوط مرتبطة بتطورات أسعار الطاقة العالمية، واستقرار سلاسل الإمداد، واتجاهات الطلب المحلي والخارجي، إلى جانب السياسة النقدية وسعر صرف اليوان.

 

وبذلك، تتحول التوترات الجيوسياسية من أحداث تقع خارج المصانع والأسواق الصينية إلى عوامل تؤثر بصورة تدريجية في تكلفة الإنتاج والنقل والأسعار، قبل أن تصل في النهاية إلى ميزانية الشركات وجيوب المستهلكين.