تلعب القاهرة على مدار عقود طويلة دورًا مؤثرًا ومحوريًّا فى تحريك ومعالجة قضايا المنطقة، فأى قضية تخص المنطقة العربية تحديداً تجد مصر رمانة الميزان فى المفاوضات والحلول، وهى قلب الوطن العربى النابض، فى منطقة تتسارع فيها الأزمات وتتداخل فيها الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، وتتصاعد حدة التوترات الجيوسياسية، حيث تتميز مصر بقدرتها على التحرك وصناعة مساحات للحوار وفتح قنوات الاتصال، وحشد المواقف نحو التهدئة والحفاظ على مصالح الشعوب.
وكانت القاهرة على مدار الأيام الماضية شاهدة على حراك عربى لافت، مع زيارة ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان إلى مصر، ثم زيارة الرئيس الفلسطينى محمود عباس، ولقائهما مع الرئيس عبدالفتاح السيسى، بما يعكس اتساع دوائر التشاور العربى حول قضايا المنطقة، وتقود القاهرة الحوار والمشاورات حول القضايا المشتركة.
زيارة ولى العهد السعودى إلى القاهرة لم تكن مجرد محطة فى العلاقات المصرية السعودية، وإنما جاءت فى توقيت وظرف إقليمى شديد الحساسية، تفرض فيه التطورات المتلاحقة تعزيز التنسيق بين الدول العربية، وخلال اللقاء، أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى وولى العهد السعودى أهمية العلاقات بين البلدين، كما برزت ملفات الأمن الإقليمى وخفض التصعيد وأمن الملاحة باعتبارها قضايا تتجاوز حدود الدول لتلامس الأمن العربى والمصالح الاقتصادية المشتركة.
واللافت أن هذا التحرك المصرى السعودى يأتى امتدادًا لمسار من التنسيق السياسى، إذ سبق اللقاء اتصال بين الرئيس السيسى والأمير محمد بن سلمان فى 3 سبتمبر، جرى خلاله التأكيد على وحدة المصير بين البلدين، وعلى أن أمن المملكة والدول العربية يمثل امتدادًا للأمن القومى المصرى، إلى جانب التشديد على خفض التصعيد فى المنطقة وحماية أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة.
وبينما كانت القاهرة تستقبل القيادة السعودية، كانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة فى أجندة التحرك المصرى، فقد استقبل الرئيس السيسى فى 16 سبتمبر الجارى، الرئيس الفلسطينى، وجدد خلال اللقاء التأكيد على أن القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية فى المنطقة، مع استمرار الجهود المصرية للوصول إلى تسوية عادلة وشاملة، ورفض تهجير الفلسطينيين أو تصفية القضية، ودعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات الدور المصرى «القاهرة لا تتعامل مع قضايا المنطقة باعتبارها ملفات منفصلة»، فالقضية الفلسطينية مرتبطة بأمن الإقليم، وأمن البحر الأحمر يرتبط بالتجارة العالمية، واستقرار الخليج يرتبط بأمن الطاقة، والأزمات العربية تؤثر بصورة مباشرة على الاقتصاد والاستثمار وحركة الملاحة، ولذلك فإن التحرك المصرى يجمع بين المسار السياسى والدبلوماسى، وبين إدراك المصالح الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية التى تتشابك فى الإقليم.
كما أن استضافة القاهرة لهذا المستوى من التشاور العربى تؤكد استمرار أهمية مصر كدولة تمتلك قنوات اتصال متعددة مع مختلف الأطراف، وتجمع فى تحركها بين ثوابت واضحة، وفى مقدمتها دعم الدولة الوطنية، والحفاظ على وحدة الأراضى العربية، ورفض تهجير الشعوب أو تصفية القضايا، والدفع باتجاه الحلول السياسية.
وفى الملف الفلسطينى تحديدًا، لا يقتصر الدور المصرى على البيانات السياسية، وإنما يمتد إلى الوساطة والتنسيق والعمل مع الأطراف المختلفة، فضلًا عن دعم الشعب الفلسطينى والسعى إلى تثبيت التهدئة وتهيئة الظروف للتعافى وإعادة الإعمار، فمصر تعد القلب النابض للقضية الفلسطينية وتلعب دورًا محوريًّا ومؤثرًا فى دعم القضية وحقوق الشعب الفلسطينى وتحريك المفاوضات والسعى لإيجاد حلول.
إن القاهرة تتحرك فى إطار مفهوم أوسع للأمن القومى العربى، فاستقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن استقرار دولها، ولا يمكن فصل أمن الخليج عن أمن البحر الأحمر، أو فصل القضية الفلسطينية عن مستقبل الاستقرار فى الشرق الأوسط، ومن هنا تأتى أهمية التنسيق المصرى السعودى بصورة خاصة، باعتبار البلدين من الدول العربية ذات التأثير السياسى والاستراتيجى والاقتصادى، وما يمكن أن يتيحه تعاونهما من دعم لمسارات العمل العربى المشترك، وباعتبارهما ضمان أمان للمنطقة العربية.
إن مصر تتحرك وفق رؤية تقوم على الحضور الهادئ والتنسيق المستمر والتمسك بالثوابت، واستخدام الدبلوماسية كأداة لحماية المصالح العربية وفتح الطريق أمام الحلول السياسية، وفى ضوء ذلك تبدو الرسالة الأهم أن المنطقة تحتاج إلى تنسيق عربى أكثر فاعلية، وإلى عواصم قادرة على تحويل الخلافات والأزمات من ساحات للتصعيد إلى مساحات للتفاوض.
وفى قلب هذا المشهد، تظل القاهرة حاضرة ومؤثرة باعتبارها دولة عربية ترى أن استقرار محيطها جزء من أمنها، وأن دعم القضايا العربية مسئولية تفرضها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، فالدولة المصرية تسعى وتحرص على استقرار الدول العربية وأمنها وتعتبر أن أمن مصر جزء من الأمن القومى العربى، حيث تتمتع مصر بثقل سياسى واستراتيجى راسخ فى منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية على وجه الخصوص، يستند إلى مزيج من الموقع الجغرافى والتاريخ والقوة الدبلوماسية، وسياسة مصر الخارجية المتزنة والمنفتحة على الجميع.
فضلًا عن كونها دولة محورية فى الوطن العربى، وذات أهمية استثنائية فى حسابات الأمن الإقليمى والدولى، كما تمثل القاهرة طرفًا حاضرًا فى التعامل مع الأزمات والقضايا العربية، من خلال الاتصالات والوساطات والتحركات الدبلوماسية، بما يعكس امتلاكها شبكة واسعة من العلاقات مع مختلف الأطراف، وقدرة على طرح نفسها كطرف يسعى إلى دعم الاستقرار، والحفاظ على وحدة الدول ومؤسساتها، والدفع نحو الحلول السياسية للقضايا الإقليمية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض