رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

حرمة بيت الله وجزاء المعتدي.. بعد محاولة استهداف مكة المكرمة

استهداف مكة المكرمة
استهداف مكة المكرمة

 أثارت محاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيرة، إدانات واسعة في العالمين العربي والإسلامي، بعدما أعلنت المملكة العربية السعودية أن قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي اعترضت الطائرة ودمرتها قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، وأكدت المملكة أن الواقعة تمثل استفزازًا لمشاعر المسلمين، في حين نفت جماعة الحوثيين مسؤوليتها عن إطلاق الطائرة.
 

 وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة سؤالًا مهمًا حول حرمة مكة المكرمة وبيوت الله والمشاعر المقدسة، وما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من تعظيم للبلد الحرام والتحذير من انتهاك حرمته أو ترويع الآمنين فيه.

 المساس بحرمة مكة اعتداء على مقدسات عظّمها الله:

 وعقب الواقعة، أدان الأزهر الشريف محاولة استهداف مكة المكرمة، مؤكدًا أن البلد الحرام له حرمة ثابتة في عقيدة المسلمين، وأن تعريضه للخطر يمثل اعتداءً على حرمة عظّمها الله واستفزازًا لمشاعر المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

 وشدد الأزهر على أن أمن الحرمين الشريفين ليس مجرد قضية سياسية أو إقليمية، وإنما يرتبط بمكانة مكة المكرمة في وجدان الأمة الإسلامية، محذرًا من امتداد الصراعات إلى المقدسات الإسلامية.

حرمة البلد الحرام أسمى من الصراعات:

 وفي السياق نفسه، أعرب الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، عن أسفه لمحاولة استهداف مكة المكرمة، مؤكدًا أن تعريض البلد الحرام للخطر أمر يبعث على بالغ الأسى لما اختص الله به مكة من حرمة وتعظيم، ولما لها من مكانة راسخة في عقيدة المسلمين ووجدانهم.

 وأكد مفتي الجمهورية أن مكة المكرمة لا ينبغي أن تكون محلًا للحسابات السياسية أو الصراعات، مشددًا على أن أمن البلد الحرام والحرمين الشريفين وقاصديهما أمانة تتجاوز الاعتبارات السياسية والجغرافية، وأن المقدسات لا ينبغي أن تكون طرفًا في الصراعات.

ماذا قال القرآن عن حرمة مكة؟

 أحاط القرآن الكريم مكة المكرمة بمكانة عظيمة، وأشار إلى أمنها وحرمتها في مواضع متعددة، فقال الله تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: 126].

وقال سبحانه:

﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97].

كما قال تعالى:

﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 3].

 وتكشف هذه النصوص عن ارتباط مكة في التصور الإسلامي بالأمن والحرمة، فهي البلد الذي جعله الله حرمًا آمنًا، وقبلة للمسلمين ومقصدًا للحج والعمرة.

حرمة مكة ليست كحرمة أي مكان:

 ورد في السنة النبوية بيان واضح لعظمة مكة وحرمتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة:

«إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة».

كما قال صلى الله عليه وسلم:

«لا يسفك فيها دم، ولا يعضد بها شجر، ولا ينفر صيدها».

ويظهر من ذلك أن حرمة مكة ليست مرتبطة بزمان معين، وإنما هي حرمة ثابتة جعلها الله لهذا البلد الحرام.

جزاء المعتدي على حرمة البلد الحرام:

 ومن أشد الآيات دلالة على خطورة الاعتداء في البلد الحرام قول الله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25].

 فالآية تتضمن وعيدًا شديدًا لمن يقصد الإلحاد والظلم في المسجد الحرام، بما يكشف عظم الجناية المتعلقة بحرمة البلد الحرام.

وقد نبه العلماء إلى شدة الوعيد المتعلق بالإرادة السيئة والظلم في الحرم، بما يتناسب مع المكانة الخاصة التي اختص الله بها مكة المكرمة.

لماذا شدد الإسلام في حماية الحرم؟

 لأن مكة ليست مجرد مدينة، والمسجد الحرام ليس مجرد مسجد؛ فهما يرتبطان بأصل من أصول شعائر الإسلام.

 وفي مكة يتوجه المسلمون إلى الكعبة في صلواتهم، وإليها يحجون ويعتمرون، ومنها ارتبطت شعائر عظيمة بتاريخ التوحيد منذ عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

ولهذا قال الله تعالى:

﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30].

وقال سبحانه:

﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].

ومن ثم، فإن تعظيم مكة والحرم والمحافظة على أمنه وصيانة قاصديه من الخوف والترويع، يدخل في تعظيم حرمات الله وشعائره.

حرمة بيوت الله.. تحذير قرآني شديد:

 ولا تقتصر حرمة الاعتداء على المسجد الحرام وحده؛ فقد شدد القرآن كذلك في شأن جميع المساجد، فقال تعالى:

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 114].

 وتوضح دار الإفتاء المصرية أن خراب المساجد لا يقتصر على هدمها ماديًا، وإنما يشمل كذلك السعي في تعطيل رسالتها ومنع ذكر الله وإقامة العبادة فيها.

 وهذا الوعيد يكشف عن عظم مكانة بيوت الله وضرورة صيانتها عن كل صور الاعتداء أو التخريب أو الترويع.

مكة بلد الأمن.. فلا ينبغي أن تكون ساحة للصراع:

 إن محاولة استهداف مكة المكرمة، بصرف النظر عن الخلاف حول الجهة المسؤولة عن إطلاق الطائرة، تفتح بابًا مهمًا للتذكير بحرمة البلد الحرام وضرورة إبقاء المقدسات بعيدة عن الصراعات.

 وقد عبّر الأزهر ودار الإفتاء المصرية بوضوح عن هذه المعاني عقب الواقعة الأخيرة؛ فالأزهر أكد أن أمن الحرمين الشريفين مسؤولية تتصل بمشاعر المسلمين جميعًا، بينما شدد مفتي الجمهورية على أن المقدسات لا ينبغي أن تكون طرفًا في الصراعات.

دعاء بحفظ مكة والحرمين:

 وتبقى مكة المكرمة في وجدان المسلمين قبلةً ومهوى للأفئدة، ويظل الحفاظ على أمنها وأمن الحرمين الشريفين وقاصديهما مسؤولية عظيمة.

 وفي ختام بيانه، دعا مفتي الجمهورية الله تعالى أن يحفظ بلاد الحرمين من اعتداءات المعتدين، وأن يديم عليها وعلى أهلها وقاصديها نعمة الأمن والأمان والسلام والاستقرار.