بيعة العقبة الثانية.. تفاصيل التحول الكبير في مسار الدعوة
كشف الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، تفاصيل بيعة العقبة الثانية، موضحًا أنها مثّلت نقطة تحول مهمة في مسار الدعوة الإسلامية، بعدما أسلم وبايع عدد كبير من أهل يثرب من الأوس والخزرج، لتنتقل الدعوة من نطاق مكة إلى أفق جديد خارجها.
بيعة العقبة الثانية.. بداية مرحلة جديدة للدعوة
وقعت بيعة العقبة الثانية في موسم الحج من السنة الثالثة عشرة للبعثة، وشهدت إسلام ومبايعة جمع كبير من أهل يثرب من قبيلتي الأوس والخزرج، الأمر الذي أدخل الدعوة الإسلامية مرحلة جديدة، فلم تعد حركتها مقصورة على مكة وحدها، وإنما أصبح لها أنصار وامتداد خارجها.
وأوضح الدكتور علي جمعة أن وصول الإسلام إلى يثرب أثار مخاوف قريش، لأن الأمر لم يعد شأنًا داخليًا يخص أهل مكة، وإنما أصبح للدعوة امتداد في مدينة ترتبط بمكة بعلاقات تجارية وطرق سفر ومصالح متبادلة.
لماذا خافت قريش من إسلام أهل يثرب؟
كانت يثرب تمثل محطة مهمة على طريق تجارة مكة المتجهة إلى الشام، كما كانت طرق السفر والتجارة في ذلك الزمن تعتمد على مسارات ومحطات معروفة تتوافر فيها احتياجات المسافرين من الأمن والطعام والماء والراحة.
ومن ثم، كان استقرار العلاقة بين مكة وأهل يثرب أمرًا ذا أهمية كبيرة بالنسبة لقريش، خاصة فيما يتعلق بأمن طرق التجارة وحركة القوافل، ولذلك أدركت قريش أن انتقال الدعوة إلى يثرب قد تكون له آثار تتجاوز الجانب الديني إلى شبكة المصالح والعلاقات القائمة بين المدينتين.
قريش تلجأ إلى عبد الله بن أُبي ابن سلول
وأشار الدكتور علي جمعة إلى أن قريش، بعد أن وصل إليها ما يثير الشك بشأن إسلام رجال ونساء من أهل يثرب، لجأت إلى عبد الله بن أُبي ابن سلول، الذي كان من كبار أهل يثرب، وكان قومه يتهيؤون لتوليته عليهم.
وسألته قريش عن حقيقة إسلام عدد من رجال ونساء قومه، إلا أنه نفى علمه بالأمر، فاطمأنت قريش بصورة مؤقتة، قبل أن تتأكد من الخبر بعد انصراف الحجيج.
لماذا تكتب «ابن سلول» بالألف؟
وتوقف الدكتور علي جمعة عند مسألة لغوية تتعلق بكتابة اسم «ابن سلول»، موضحًا سبب إثبات الألف في كلمة «ابن».
وبيّن أن «سلول» هي أم عبد الله، ولذلك نُسب إليها، بينما تحذف الألف من كلمة «ابن» في الرسم في حالات معلومة، من بينها وقوعها بين اسم الشخص واسم أبيه، أما إذا كان الانتساب إلى الأم فتثبت الألف.
قريش تقبض على سعد بن عبادة
وبعد أن تيقنت قريش من خبر البيعة، خرج رجال منها في أثر أهل يثرب، وتمكنوا من القبض على سعد بن عبادة رضي الله عنه، الذي كان من سادات المدينة ووجهائها.
وأخذ رجال قريش سعد بن عبادة رضي الله عنه إلى مكة مقيدًا، وأوسعوه ضربًا، في محاولة للانتقام منه على خلفية ما جرى في بيعة العقبة الثانية.
المطعم بن عدي يتدخل لإنقاذ سعد بن عبادة
وفي تلك اللحظة تدخل المطعم بن عدي والحارث بن حرب لإنقاذ سعد بن عبادة رضي الله عنه، وذكّرا قريشًا بمكانته بين قومه، كما ذكّراها بالمصالح التي تجمع أهل مكة بأهل يثرب، وما يرتبط بها من طرق للتجارة وحركة للمسافرين.
وأدت هذه الوساطة إلى إطلاق سراح سعد بن عبادة رضي الله عنه، الذي تمكن بعد ذلك من اللحاق بأصحابه.
موقف المطعم بن عدي يكشف وفاء النبي ﷺ
ولفت الدكتور علي جمعة إلى أن موقف المطعم بن عدي يكشف جانبًا مهمًا من وفاء سيدنا رسول الله ﷺ وحفظه للجميل، فقد ظل النبي ﷺ يذكر مواقف المطعم وما قدمه من مواقف عادلة.
ومن أبرز ما يدل على ذلك ما قاله النبي ﷺ بعد غزوة بدر، إذ أشار إلى أنه لو كان المطعم بن عدي حيًّا، ثم كلمه في أسرى قريش، لأطلقهم له، تقديرًا لما كان منه من مواقف.
ويبرز هذا الموقف أن اختلاف الدين لم يمنع سيدنا رسول الله ﷺ من حفظ المعروف وتذكر مواقف من أحسن إليه، وهو ما يكشف جانبًا أصيلًا من أخلاقه ﷺ.
من فقه السيرة.. بيعة العقبة الثانية نقطة تحول
وأكد الدكتور علي جمعة أن بيعة العقبة الثانية لم تكن مجرد إسلام أفراد جدد، وإنما كانت تحولًا كبيرًا في مسار الدعوة الإسلامية، إذ أصبح لسيدنا رسول الله ﷺ أنصار خارج مكة، وبدأت يثرب تتهيأ للدور التاريخي الذي ستقوم به لاحقًا في الهجرة النبوية وبناء المجتمع الإسلامي الجديد.
كما تكشف أحداث البيعة وما أعقبها عن حضور المصالح والعلاقات بين المجتمعات بصورة واضحة في حسابات قريش، فقد أدرك عقلاؤها أن الاعتداء على أحد سادات يثرب، مثل سعد بن عبادة رضي الله عنه، يمكن أن يرتد على مصالح مكة نفسها.
السيرة النبوية تعلمنا قيمة النصيحة الصادقة
وتحمل هذه الأحداث درسًا آخر يتعلق بقيمة صدق الكبار وإخلاصهم في النصيحة، وكذلك أهمية استجابة المجتمع للنصيحة الصادقة عندما تكون قائمة على الحق وتستهدف مصلحة الجماعة.
فصلاح الاجتماع البشري يحتاج إلى كبير ينصح بصدق وإخلاص، كما يحتاج إلى من يستمع إلى النصيحة عندما تكون في موضعها وتحقق الخير للجميع.
وتكشف بيعة العقبة الثانية كذلك عن جانب من أخلاق سيدنا رسول الله ﷺ، وفي مقدمتها حفظ المعروف لأهله، فلم يمنعه اختلاف الدين من تذكر مواقف المطعم بن عدي وتقدير ما قدمه من مواقف عادلة.
واختتم الدكتور علي جمعة حديثه في إطار سلسلة «هذا رسول الله ﷺ» بإبراز الدروس المستفادة من أحداث السيرة النبوية، وما تحمله من معانٍ تتعلق بالوفاء، وحفظ الجميل، وحسن تدبير العلاقات، وأهمية النصيحة الصادقة في صلاح المجتمعات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

