غرفة الدرس تغيرت. لم تعد أربعة جدران وسبورة خضراء وطباشير أبيض وألوان . أصبحت شاشة صغيرة في يد طفل. وصار المعلم لا يدخل من الباب. يدخل من اليوتيوب.
قبل سنوات قليلة كان المشهد مألوفاً: مدرس خصوصي نسأل الجار أو الجارة. نتصل بقريبة. نتفق على موعد. يأتي المدرس. يجلس ساعة. يأخذ أجره ويمضي.
اليوم المشهد تغير تماماً. الإبن لا ينتظر أحداً. يفتح هاتفه. يكتب "شرح درس كذا". فيجد أمامه عشرة مدرسين يتنافسون ليشرحوا له. واحد يضحك. وواحد يمثل. وواحد يغني المعلومة. وواحد يرسمها. والإبن يختار من يحبه. ثم يجلس على سريره ويشاهد. يعيد الفيديو مرتين وثلاثاً. بلا خجل. بلا خوف. بلا عبء.
إنه زمن المدرس اليوتيوبر.
ولكي نكون منصفين، يجب أن نعترف أن هذه الظاهرة جاءت كحل عبقري من الشباب للشباب. فالطالب اليوم يريد معلومة سريعة، ويريدها بلغته. لا يريد جملة معقدة. يريد "الزتونة". لا يريد محاضرة ساعة. يريد فيديو 15 دقيقة.
والمدرس اليوتيوبر الذكي فهم ذلك. فهم أن الجيل الجديد لا يحب التلقين. يحب الحكاية. لا يحب أن يقال له "إحفظ". يحب أن يقال له إفهم اللعبة. فحول النحو من عقدة إلى لعبة. وحول الفيزياء من طلاسم إلى تجربة. وحول التاريخ من تواريخ تحفظ إلى قصص تعاش.
كم من طالب كان يكره مادة ثم أحبها لأنه أحب مدرسها على اليوتيوب؟ كم من طالب في قرية بعيدة لا يستطيع دفع ثمن الحصة وجد ضالته مجاناً على المنصة؟ كم من بنت تخجل أن تسأل في الفصل فوجدت شجاعة أن تسأل في تعليق؟
هذا الجانب المضيء يجب أن نراه. يجب أن نحترمه. لأن هؤلاء المدرسين أعادوا للتعليم شيئاً فقدناه: المتعة.
لكن لكل ضوء ظل. وهذا هو ما يجب أن نتوقف عنده طويلاً.
المشكلة لم تعد في المدرس اليوتيوبر نفسه. المشكلة فينا نحن. في نظرتنا للتعليم.
لقد صرنا كأهالي نبحث عن السهل. نريد فيديو واحداً يلخص كتاباً كاملاً. نريد مراجعة ليلة الامتحان تغني عن عام كامل من التعب. نريد توقعات وخلطة سحرية إزاي تجيب مجموع من غير ما تذاكر". نحن من خلقنا هذا الطلب. والسوق إستجاب.
وصرنا كطلاب نستبدل المذاكرة بالمشاهدة. نشاهد الفيديو ونظن أننا ذاكرنا. نعمل لايك ونظن أننا فهمنا. نكتب في الكومنت الله ينور يا مستر ونظن أن المعلومة دخلت العقل. والحقيقة أن المشاهدة شيء، والمذاكرة شيء آخر تماماً. المشاهدة تفتح الباب، لكن المذاكرة هي من تدخلك البيت.
بل إن بعض المنصات حولت التعليم إلى سباق ترندات. عنوان الفيديو صار أهم من محتواه. هتندم لو ما شفتش الفيديو ده سر خطير هيخليك تقفل الامتحان". تحول العلم إلى إثارة. وتحول الشرح إلى عرض. وفي العرض تضيع المعلومة.
وهناك خطر آخر أخطر: أن يظن الطالب أن كل شيء سهل. لأن المدرس في الفيديو يبتسم ويقول "سهلة جداً". فيدخل الامتحان فيصدم. لأن الامتحان ليس فيديو. والحياة ليست تيك توك الحياة تحتاج ورقة وقلم وسهر وتكرار وخطأ وتصحيح.
إن المدرس اليوتيوبر الحقيقي، المبدع، هو الذي يعرف هذا. هو الذي يقول لطلابه في نهاية الفيديو: إقفل الفيديو وافتح الكتاب هو الذي لا يبيع الوهم. هو الذي يعطيك الطريق ثم يتركك تمشي.
لقد كشفت هذه الظاهرة حقيقة تربوية عميقة: الطالب لا يذهب لمن يعطيه معلومة أكثر. الطالب يذهب لمن يحبه أكثر. من يفهمه. من يضحك معه. من يقول له أنا كنت زيك
وهذه رسالة لكل أب ولكل أم ولكل معلم في فصل.
لا تحاربوا الشاشة في الدروس والتعليم الشاشة إنتصرت. بل تعلموا منها.
تعلموا أن الشرح الجاف لا يدخل القلب. وأن الابتسامة تفتح العقل قبل أن يفتحه الكتاب. وأن الطالب إذا أحبك سيحفظ كلامك ولو كان صعباً.
إننا لسنا أمام أزمة يوتيوب. نحن أمام فرصة. فرصة أن نطور طريقة شرحنا. أن نجعل الفصل يشبه الفيديو في متعته، ويتفوق عليه في تفاعله الإنساني. أن نعود نسأل الطالب: فهمت؟ لا أن نسأله: كتبت؟
في النهاية، التعليم ليس سبورة ولا شاشة. ليس طباشير ولا مونتاج. التعليم هو قلب معلم يصل إلى قلب طالب. فإن وصل القلب، وصلت المعلومة.
والمدرس، سواء كان واقفاً في فصل أو جالساً أمام كاميرا، سيظل هو البطل. لأنه الوحيد الذي يزرع في الأرض التي لا يراها أحد: عقل طفل.
وإذا صلح الزرع.. صلح كل شيء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض