علي رأفت يكتب: العلم وبناء الشخصية
العلم هو النور الذي يبدّد ظلمات الجهل، ويصوغ شخصية الإنسان صياغةً متينةً، إذ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
فبالعلم يرتقي المرء أعلى الدرجات، ويستقيم في مسلكه، ويصبح قادرًا على حمل أمانة الاستخلاف في الأرض، إذ إن العلم يفتح له أبواب الفهم ويجعله واعيًا بحدود نفسه ومكانته في الكون.
ومن هنا كان العلم أساسًا للقيم، يغرس في النفس الصدق والأمانة والعدل والرحمة، ويجعل الإنسان متوازنًا في نظرته إلى الحياة، كما قال النبي ﷺ: “من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين” [رواه البخاري].
فالفهم العميق للشرع يكوّن شخصيةً تعرف الحق وتعمل به، وتبتعد عن الباطل وتنهى عنه، فيكون العلم سياجًا يحمي الإنسان من الانحراف، ويجعله عنصرًا فاعلًا في مجتمعه.
ولكي يكون العلم مؤثرًا في بناء الشخصية الإنسانية، لا بد من عوامل وجوده وتحققه؛ أولها طلب العلم الذي جعله النبي ﷺ فريضةً على كل مسلم، فقال: “طلب العلم فريضة على كل مسلم” [رواه ابن ماجه]. وثانيها وجود المعلم الصالح الذي يوجّه المتعلم ويهذّب سلوكه، ويكون قدوةً في أخلاقه وعلمه، إذ إن القدوة العملية أبلغ أثرًا من مجرد القول. وثالثها البيئة العلمية التي تُشجّع على البحث والتفكير، وتفتح أبواب الحوار والنقاش، فتغدو الشخصية أكثر نضجًا واتزانًا. ورابعها العمل بالعلم، فالعلم بلا عمل كالشجرة بلا ثمر، وقد قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، فالعلم الحق هو الذي يثمر سلوكًا مستقيمًا وأثرًا نافعًا.
وإذا كان العلم يضيء العقل، فإنه أيضًا يلامس الوجدان، فيصوغ مشاعر الإنسان ويهذبها، فالعلم الشرعي يربط القلب بالله ويغرس فيه الطمأنينة واليقين، والعلم الدنيوي يفتح آفاق الفكر والإبداع، ويجعل الإنسان أكثر رحابةً في نظرته للعالم.
بهذا التوازن بين العقل والروح تتشكل شخصية إنسانية متكاملة، قادرة على العطاء والبذل، ومؤهلة لحمل رسالة الأمة.
ومن ثمّ فإن العلم يصبح سلاحًا لا غنى عنه في مواجهة التحديات، إذ أكّد الفقهاء أن طلب العلم فرضٌ كفائيٌ إذا تعلّق بمصالح الأمة، وفرضٌ عينيٌ إذا تعلّق بما لا يسع المسلم جهله، فالعلم واجبٌ شرعي وضرورة حياتية، وبه تُبنى الشخصية القادرة على مواجهة الأزمات وصياغة مستقبلٍ أفضل.
وفي خاتمة المطاف، يتجلّى أثر العلم في رفعة الإنسان، كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
فالعلم هو الذي يصنع الإنسان، ويهذّب شخصيته، ويجعله لبنةً في بناء الأمة، وركيزةً في صرح الحضارة، ووسيلةً لرفعة الدنيا والآخرة، ليكون بحقّ خليفةً في الأرض، يحقق معنى الإنسانية في أسمى صورها.
بقلم الدكتور علي أحمد رأفت - عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض