خارج السطر
لا تصدق الألقاب، ولا تلتفت للمسميات، وفكر وانتبه واحذر من مصطلحات البطولة، وتوزيعات الشهادة المجانية.
لم تبتلَ الأنظمة السياسية العربية فى القرن العشرين بشخص مثل صدام حسين التكريتى (رئيس العراق 1979-2003)، إذ فاق الطغاة جوراً وغدراً وتوحشاً. ورغم ذلك مازال فريق كبير من المتأسلمين والمتقوميين والمتفرجين يمجده ويعظمه ويعتبره بطلاً شهيداً.
عندما صعد للحكم فى يوليو 1979 جمع الرجل قيادات حزب البعث فى قاعة الخلد ببغداد، وادعى أن هناك مؤامرة داخل الحزب للاتحاد مع سوريا تحت قيادة حافظ الأسد. وتلا أسماء المتآمرين ليتم القبض عليهم، والحكم بإعدامهم رمياً بالرصاص. وابتكر صدام طريقة بشعة لتنفيذ الحكم إذ عهد إلى رؤساء لجان الحزب بمختلف المحافظات بإطلاق النار على زملائهم تعبيراً عن الولاء تجاه قيادته. وكان هناك أحد قيادات الحزب اسمه عبدالخالق السمرائى، سجن قبل خمس سنوات، لكن فى حومة الدم خرق صدام حكم القضاء واقتاد الأسير لينفذ فيه الإعدام مع الباقين، وعهد إلى ابنيه عدى وقصى وكانا مازالا حدثين صغيرين التصويب على الضحية. وخلال التنفيذ طلب أحد الضحايا رفع سدادة فمه ليلقى كلمة، لكن الجلادين رفضوا وقالوا إن أوامر صدام هى ألا ترفع سدادات الفم عن المتآمرين حتى لا يتمكنوا من نطق الشهادتين، فيموتوا كفاراً لأنهم تآمروا على الزعيم الجديد. زأر الرصاص وتناثرت بقع الدم وتعلم العراقيون درس صدام الأول، وهو أن الظلم أساس الحكم، وأنه لا رأى ولا قول سوى رأى صدام، ومن يرى غير ذلك فهو خائن مهدور الدم.
تحول الجميع إلى سكاكين فى يد الجزار البشرى. رضخوا لأن يذبحوا إخوانهم لإرضاء السيد ونيل عطاياه، وصار صدام نموذجاً يدرس لكل طاغية.
يحكى مؤرخ العراق الحديث حميد عبدالله كيف غضب صدام من رياض إبراهيم وزير الصحة عام 1982 لأنه رفض إيفاد طبيب بيطرى إلى مؤتمر طبى بالولايات المتحدة مبدياً رأيه بأن ذلك يسىء لسمعة العراق، فأمر بإعدامه.
أما إسماعيل التتار فاختاره صدام طبيباً له لكفاءته، وفى يوم ما جلس التتار مع طبيب صديق له يدعى هشام سلمان، وقال له نكتة عن القائد المهيب، وسمعهم زميل آخر فوشى بهما. حوكما بموجب القانون وصدر بحقهما حكم بالسجن، لكن صدام رفض الحكم، وطلب ردهما لمحكمة عسكرية لأنهما ارتكبا الخيانة. وبالفعل أعدما عام 1988 معاً الأول لأنه قال نكتة، وزميله لأنه ضحك عليها.
وبعد احتلال الكويت استشار صدام رجاله المخلصين فيما يرونه حلاً للخروج من الأزمة، فأشار عليه فاضل البراك وكان رئيساً سابقاً لجهاز المخابرات بالانسحاب من الكويت ليقطع الطريق على الدول الغربية للتدخل. وبعد أيام فوجئ بالقبض عليه واستجوابه من رجاله الذين كانوا يعملون تحت إمرته فى المخابرات، وتعرض للتعذيب الوحشى، قبل أن يعلن نبأ وفاته ويدفن فى جنازة عسكرية.
أما كبيرة الأثافى، فكان ما جرى مع زوجى ابنتيه، حسين كامل وشقيقه صدام كامل اللذين هربا إلى الأردن عقب عاصفة الصحراء خوفاً من مؤامرات أشقاء صدام وابنيه. وبعث صدام لهما برسائل طمأنة وعهد أمان، فصدقا وعادا، لكنهما فوجئا بتطليقهما من ابنتى صدام، ثم تم حصار بيتهما من قبل رجال العشيرة وقُتلا، وقُتل كل من معهما من نساء وخدم، ثم سُحلت جثثهم فى شوارع بغداد وألقيت فى مقلب قمامة. وبعد شهور نقل البصاصون إلى القائد أن أم القتيلين تصلى وتترحم على ابنيها، فأرسل من ذبحها على سجادة الصلاة وفصل رأسها عن جسدها.
قال لى صديقى الدبلوماسى العراقى إن صدام حسين كان أكبر نكبة نُكبت بها العراق فى تاريخها الحديث، أهدر خيرات عظيمة، وفرصاً رائعة للريادة والتقدم، وغدر وفجر وارتكب كل الموبقات، ثم استسهل بعض الناس أن يسموه شهيداً، ليضعوه فى صف واحد مع الحسين.
وتلك مأساة كبرى لبلادنا.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض