رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

"رمادي" .. عندما تتحول نظرة الآخرين إلى سجن داخلي

بوابة الوفد الإلكترونية

في مساحة نفسية مختلفة، يأتي فيلم «رمادي» للمخرجة منال مغربي، الذي يستلهم عالم الكاتب الروسي أنطون تشيخوف وقصته الشهيرة «موت موظف»، لكنه لا يقدم اقتباسًا مباشرًا للنص، وإنما يعيد صياغة الفكرة داخل سياق معاصر يرتبط بعلاقة الإنسان بالسلطة والمجتمع والصورة التي يحاول الحفاظ عليها أمام الآخرين.

ينطلق الفيلم من موقف يبدو عابرًا بين موظف ومديره، لكن هذا الموقف يتحول تدريجيًا إلى أزمة داخلية؛ إذ يبدأ الموظف في الانشغال بالانطباع الذي تركه لدى مديره، ويحاول إصلاح ما يعتقد أنه خطأ، لتتسع دائرة القلق والتفكير والتفسير.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الفيلم: المشكلة ليست بالضرورة فيما حدث، وإنما في الطريقة التي يعيد بها الإنسان بناء الحدث داخل رأسه.

فكلما حاول البطل السيطرة على الصورة التي يعتقد أن الآخرين كوّنوها عنه، أصبح أكثر ابتعادًا عن نفسه وعن المشكلة الحقيقية. تتحول محاولة تبرير موقف بسيط إلى استنزاف نفسي، ويصبح رأي الآخر سلطة داخلية تلاحق الشخصية حتى في غياب صاحبها.

ومن خلال هذه المعالجة، ينتقل «رمادي» من حكاية عن موظف ومدير إلى مساحة أوسع تتعلق بعلاقة الإنسان بنظرة المجتمع إليه.

فالفرد قد لا يعاني فقط من الحكم الذي يصدره الآخرون، وإنما من خوفه المستمر من هذا الحكم؛ فيبدأ بمراقبة كلماته، وإعادة تفسير تصرفاته، وتحليل ردود أفعال الآخرين، وكأنه يعيش أمام لجنة تقييم دائمة.

ويكتسب عنوان الفيلم دلالته من هذه المنطقة المعلقة بين الحقيقة والتفسير؛ فـ«الرمادي» هو المساحة التي لا يمكن فيها الفصل بسهولة بين ما حدث فعلًا، وما يعتقد الإنسان أن الآخرين فهموه، وما يظن أنه يجب أن يفعله حتى يستعيد صورته أمامهم.

والفيلم، في هذه النقطة تحديدًا، يطرح سؤالًا بسيطًا في صياغته لكنه شديد القسوة في دلالته: هل نحن مطالبون فعلًا بأن نشرح أنفسنا طوال الوقت؟

قد يكون الحكم الخارجي مؤلمًا، لكن الأخطر أن يتحول هذا الحكم إلى صوت داخلي يجعل الإنسان مراقبًا دائمًا لذاته، يعيد حساب كل كلمة وكل حركة وكل موقف.

ويمنح استلهام «موت موظف» الفيلم فرصة للانطلاق من فكرة أدبية معروفة إلى قراءة معاصرة لعلاقة الإنسان بالسلطة والقبول الاجتماعي؛ فالموقف الذي كان يمكن أن ينتهي في لحظته، يتحول إلى أزمة بسبب خوف الشخصية من عواقبه المتخيلة.

من الواقع إلى الوهم.. ومن حكم الآخرين إلى محاكمة الذات ورغم اختلاف العالمين اللذين يتحرك فيهما «نص حالة» و«رمادي»، فإن كليهما يلتقي عند منطقة إنسانية واحدة: عدم قدرة الشخصية على التصالح الكامل مع واقعها.