"أسمى نور" .. حين تهزم الإرادة الصورة النمطية وتصنع البطولة
في كثير من الأفلام التي تتناول قضايا ذوي الهمم، تقف الكاميرا عند حدود التعاطف، فتقدم أبطالها باعتبارهم نماذج للاستثناء أو ضحايا لظروف قاسية، بينما يذهب الفيلم الوثائقي القصير «أسمى نور» للمخرج هيثم عبد الحميد إلى مساحة أكثر إنسانية وفنية، محاولًا إعادة النظر في الطريقة التي يمكن أن تُروى بها حكاية طفل مختلف عن السائد، ليس من موقع الشفقة، وإنما من موقع القدرة والإنجاز.
وعلى مدار نحو 14 دقيقة، يقترب الفيلم من تجربة نور يسري، الطفلة المصابة بمتلازمة داون، التي استطاعت أن تتحدى الحواجز التي فرضتها عليها نظرة المجتمع، وأن تحقق حضورًا لافتًا في المجال الرياضي، بحصولها على ست ميداليات رياضية.
لكن أهمية «أسمى نور» لا تتوقف عند سرد هذه الإنجازات، فالقيمة الحقيقية للفيلم تنبع من تحويل الإنجاز الرياضي إلى مدخل لقراءة أوسع لعلاقة الإنسان بالمجتمع والصورة التي يصنعها الآخرون عنه، فنور لا تظهر باعتبارها «حالة» تحتاج إلى الشفقة، وإنما كشخصية تمتلك إرادة وطموحًا وقدرة على المنافسة، وهو ما يمنح الفيلم فرصة للخروج من القوالب التقليدية التي كثيرًا ما تحاصر تناول ذوي الهمم على الشاشة.
فنيًا، يكتسب الفيلم أهميته من اختياره لشخصية قادرة على أن تكون مركزًا دراميًا قائمًا بذاته، فالحكاية هنا لا تعتمد فقط على المعلومة، وإنما على حضور نور نفسها، وعلى التناقض بين الصورة المسبقة التي قد يحملها المجتمع عنها وبين ما استطاعت أن تثبته بالفعل، ومن هذه المسافة تحديدًا تتشكل الدراما الوثائقية للفيلم: طفلة يضع الآخرون حولها حدودًا، بينما تنشغل هي بكسرها.

ويبدو العنوان «أسمى نور» محملًا بدلالة رمزية تتجاوز الاسم الشخصي للبطلة؛ فالنور هنا يمكن قراءته باعتباره استعارة لاكتشاف الإمكانات الكامنة خلف الصورة النمطية، ومن ثم تصبح رحلة نور بحثًا عن مساحة ترى فيها ذاتها كما هي، لا كما يراها الآخرون.
كما أن اختيار الرياضة بوصفها أحد المحاور الأساسية للحكاية يضيف بعدًا بصريًا وحركيًا إلى البناء الوثائقي؛ فالرياضة بطبيعتها قائمة على الحركة والمنافسة والإصرار والنتيجة، وهي عناصر تمنح الشخصية فرصة لأن تُعرّف نفسها من خلال الفعل لا من خلال الكلام عنها، وهنا تصبح الميداليات الست أكثر من مجرد أرقام أو جوائز، فهي علامات بصرية على رحلة طويلة من التدريب والمواجهة وإثبات الذات.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الفيلم باعتباره محاولة لإعادة تعريف مفهوم البطولة على الشاشة، فالبطولة ليست دائمًا في شخصية خارقة تتغلب على العالم، وإنما قد تكون في طفلة تقرر ببساطة ألا تسمح لنظرة الآخرين بأن تحدد إمكاناتها.
وهو ما يتقاطع مع رؤية المخرج هيثم عبد الحميد، الذي عبّر عن سعادته بفوز الفيلم بجائزة أفضل فيلم للأطفال وذوي الهمم في الدورة الرابعة من مهرجان «فيمتو آرت» لعام 2026، مؤكدًا أن نور تمثل نموذجًا إيجابيًا يمكن أن يشجع الأطفال على النجاح وتحدي الذات، ومعربًا عن أمله في أن تواصل تجربتها في مجالات فنية أخرى، بعدما أثبتت تفوقها الرياضي.
ويحسب للفيلم كذلك أنه لا يجعل الإعاقة هي الحكاية الوحيدة، وإنما يجعل الإنسان هو الحكاية؛ فمتلازمة داون تمثل جزءًا من هوية نور، لكنها لا تختزلها بالكامل، وهذه النقطة تحديدًا تمنح العمل بعدًا إنسانيًا مهمًا، لأن السينما الأكثر تأثيرًا هي التي تسمح لشخصياتها بأن تتجاوز التعريفات الجاهزة، وأن تُرى في كامل تعقيدها وطاقتها وأحلامها.
ويأتي تتويج «أسمى نور» في مهرجان «فيمتو آرت» ليمنح التجربة قيمة إضافية، ليس فقط باعتباره جائزة لفيلم قصير، وإنما باعتباره تقديرًا لعمل يحاول أن يضع الكاميرا في المكان الصحيح: ليس خلف الاختلاف، وإنما إلى جوار الإنسان.
وفي النهاية، يترك «أسمى نور» أثره من خلال فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالتها: أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أن يتغير حتى يثبت أنه قادر، وإنما يحتاج المجتمع إلى أن يغير الطريقة التي ينظر بها إليه.
وهنا تصبح مهمة الفيلم الوثائقي أكبر من توثيق قصة نجاح؛ إنها محاولة لتغيير زاوية النظر نفسها، وهو ما يمنح «أسمى نور» قيمته الإنسانية والفنية في آن واحد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض