عيسى فتحى العضو المنتدب لشركة القاهرة للسمسرة فى الأوراق المالية:
ارتفاع عوائد الأسهم يرجح كفة البورصة فى سباق الاستثمار
3 مستهدفات تضع الشركة فى المنافسة
«كل ما هو صحيح ينجح، وليس كل ما هو ناجح صحيح».. مقولة تختصر فلسفة أصحاب القيم والمبادئ، أولئك الذين لا يجعلون النجاح غاية منفصلة عن الطريق، ولا يقيسون صواب اختياراتهم بما تحققه من نتائج سريعة.. يؤمنون بأن قيمة الإنسان لا تكمن فقط فيما يصل إليه، وإنما فى الطريقة التى يصل بها؛ لذلك ينشغلون بإتقان العمل، والالتزام بما يؤمنون به، وأداء واجبهم بأمانة، ثم يتركون النتائج لتأتى فى توقيتها، وكذلك محدثى يؤمن أن ما بُنى على أساس صحيح لا يسقط بسهولة، وما خرج من رحم المبادئ يظل محتفظًا بقيمته، حتى وإن لم يصفق له الآخرون.
يدركون أن النجاح الحقيقى ليس أن تصل بأى طريقة، وإنما أن تصل وأنت ما زلت قادرًا على النظر إلى نفسك بفخر واطمئنان، وعلى هذا كانت مسيرته منذ الصبا.
عيسى فتحى العضو المنتدب لشركة القاهرة للسمسرة فى الأوراق المالية.. يمتلك صلابة ذهنية تجعله أكثر هدوءًا فى مواجهة الضغوط، يؤمن أن من يعرف وجهته جيدًا لا تمنعه وعورة الطريق من الوصول.
على بعد خطوات من نهر النيل، وفى منطقة تتعانق فيها ملامح العمارة القديمة مع إيقاع الحداثة، يبدو المكان وكأنه صفحة مفتوحة من حكاية القاهرة؛ هنا تتجاور البساطة مع الأصالة، وتلتقى ملامح المكان.. فى قلب هذا المشهد، يطل مبنى شامخ على واجهة النيل، ينتمى إلى منطقة «الخلفاوى»، التى حملت اسم واحد من كبار علماء الأزهر الشريف فى القرن التاسع عشر، والذى عُرف بمواقفه الجريئة ومواجهته للخديوى توفيق خلال الثورة العرابية، ليظل الاسم شاهدًا على مرحلة من تاريخ الوطن، وذاكرة تختزن بين جدرانها فصولًا من زمنٍ مضى.
فى الطابق الأول، وعند المدخل الرئيسى، تتبدل الصورة؛ مساحة واسعة تتصدرها درجات اللون الأبيض، تتوزع فيها مكاتب وغرف العمل فى انتظام هادئ، فيما خصص الجزء الأكبر منها لاستقبال العملاء والمترددين.
على الجانب المقابل من ساحة العملاء، تبرز فواصل زجاجية شفافة؛ وما إن تقترب منها حتى تتكشف غرفة تختلف عن سواها. ليست مجرد مكتب، وإنما تبدو أقرب إلى غرفة القيادة؛ هنا تُصنع القرارات الاستثمارية الحاسمة، وتُراجع الرؤى، وتُرسم ملامح التوصيات التى قد تغيّر اتجاهات القرار فى لحظة.
فى المنتصف يستقر المكتب، وفوق سطحه تنتشر قصاصات ورقية متناثرة، تبدو للوهلة الأولى عابرة، لكنها تحمل خيوط رؤية كاملة، وأفكارا يجرى ترتيبها قبل أن تتحول إلى قرارات.. خلف تلك الأوراق، تلوح أجندة أخرى؛ أجندة من الذكريات والتجارب، تختزن بين صفحاتها سنوات من العلم والعمل والتركيز الذهنى. سنوات لم تكن مجرد رحلة مهنية عابرة، وإنما ملحمة صاغت عقلًا استثماريًا يعرف كيف يقرأ التفاصيل، ويفكك المشهد، ويربط بين الأرقام وما وراءها.
لا تكتب التوصيات على عجل، ولا تُتخذ القرارات تحت تأثير اللحظة؛ كل ورقة لها دلالة، وكل رقم يفتح بابًا للتفكير، وكل تفصيلة قد تحمل مفتاحًا لرؤية أكبر. وبين هدوء المكان وصخب الأسواق فى الخارج، يتشكل عالم آخر؛ عالم تُقاس فيه القرارات بقدر ما تحمله من علم، وما تستند إليه من قراءة، وما تملكه من قدرة على استشراف ما قد يأتى.
حكمةٌ فى التحليل، وشجاعةٌ فى التقييم، ورؤيةٌ لا تتوقف عند ظاهر المشهد، وخبرةٌ صنعتها سنوات طويلة فى التعامل مع الاقتصاد والأسواق، يقرأ المشهد الاقتصادى الوطنى.. يرى أن الاقتصاد المصرى يتحرك بقوة الدفع الذاتى، أكثر مما يتحرك وفق استراتيجية واضحة المعالم؛ اقتصادٌ يواصل السير إلى الأمام، لكن دون أن تتغير السياسات بالقدر الذى يتناسب مع حجم التحديات، ودون أن تتشكل بعدُ رؤية متكاملة قادرة على إعادة ترتيب الأولويات وصناعة بيئة أكثر تنافسية وجذبًا للاستثمار.
لا تتوقف ملاحظاته عند حدود السياسات الاقتصادية، بل تمتد إلى البيروقراطية التى لا تزال حاضرة بقوة فى مفاصل بيئة الأعمال، رغم الاتجاه المتسارع نحو الرقمنة؛ إذ يرى أن التحول الرقمى، فى بعض الحالات، لم يتجاوز كونه واجهة أو «ديكورًا» جديدًا، بينما بقى جوهر الإجراءات والعقبات على حالها.
«استمرار هذه التعقيدات لا يمر دون تكلفة، بل يترك أثره المباشر على مناخ الاستثمار، وعلى قدرة القطاع الخاص على التوسع، وعلى شهية المستثمرين للبقاء وضخ أموال جديدة فى السوق». وفقًا لتحليله، ويستشهد فى هذا السياق بحالات لشركات اختارت التخارج من السوق المحلية، بعدما وجدت نفسها أمام شبكة من التعقيدات والإجراءات التى تجعل تكلفة ممارسة الأعمال أكثر ارتفاعًا، وتضعف القدرة على المنافسة.
ويستطرد فى تشخيصه للمشهد، قائلاً إن «الحكومة أنفقت مليارات الجنيهات على تطوير البنية التحتية، وهى استثمارات ضخمة لا يمكن إنكار حجمها، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا، من وجهة نظره، يبقى فى مدى انعكاس هذه الطفرة على الاستثمارات الأجنبية المباشرة».
فالبنية التحتية، لا تكفى وحدها لصناعة اقتصاد جاذب؛ فالطريق إلى المستثمر يبدأ من وضوح القواعد، وعدالة المنافسة، وسرعة الإجراءات، واستقرار السياسات، وقدرة المستثمر على اتخاذ قراره دون أن تصطدم خطته بجدار البيروقراطية.
< الاقتصاد الوطنى مر بالعديد من الأزمات والمتغيرات الخارجية والتحديات الداخلية.. فهل نجح فى التعامل معها؟
< بثقةٍ هادئة، وحكمةٍ تبدو وكأنها تشكلت لديه مبكرًا، يبدأ إجابته من نقطة يرى أنها كانت الأكثر تأثيرًا قائلًا إن «تعامل البنك المركزى مع ملف سعر الصرف، وما اتسم به من مرونة، كان أحد العوامل التى صبت فى مصلحة الاقتصاد الوطنى، وأسهمت فى إعادة قدر من التوازن إلى السوق».
يرى أن مرونة السياسة النقدية فى التعامل مع سعر الصرف لم تكن مجرد استجابة لضغوط لحظية، وإنما مثلت خطوة مهمة فى معالجة الاختلالات التى تراكمت داخل الاقتصاد، وساعدت على تقليص فجوة عجز الموازنة، وتهيئة مساحة أكبر أمام الاقتصاد لاستعادة توازنه تدريجيًا.
لا يقف الأمر عند حدود السياسة النقدية؛ إذ يضع تحويلات المصريين العاملين بالخارج فى صدارة العوامل التى لعبت دورًا محوريًا فى دعم الاقتصاد، باعتبارها أحد أهم روافد النقد الأجنبى، ومن هنا، تبدو الصورة لديه أكثر اتساعًا؛ فبين مرونة فى إدارة سعر الصرف، وتدفقات نقد أجنبى جاءت من تحويلات المصريين بالخارج، تشكل أحد أهم خطوط الدفاع عن الاقتصاد فى مواجهة سنوات متتالية من الضغوط والأزمات.
الحكمة لا تكمن فقط فى معرفة الصورة الكبيرة، وإنما فى القدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة التى صنعت تلك الصورة.. ومحدثى أكثر ما يلفت الانتباه فى حديثه أنه لا يمر على التفاصيل مرورًا عابرًا، بل يتوقف أمامها، يفككها، ثم يعيد تركيب المشهد من جديد.
فى قراءته لارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، لا يكتفى بالنظر إلى الأرقام باعتبارها مؤشرًا إيجابيًا، وإنما يبحث عما وراءها؛ إذ يرى أن جانبًا مهمًا من هذه الزيادة ارتبط بالضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار، التى دفعت الأسر إلى زيادة احتياجاتها من النقد الأجنبى، وهو ما انعكس فى النهاية على تدفقات التحويلات، وساهم فى دعم وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية.
من التفاصيل إلى الصورة الأوسع، يستعرض محدثى خريطة التحديات الداخلية التى يرى أنها تركت بصمتها الثقيلة على الاقتصاد، لتأتى الديون فى مقدمة المشهد؛ باعتبارها، من وجهة نظره، العامل المشترك الذى تتقاطع عنده أزمات أخرى، من التضخم إلى سعر الصرف.
الديون، كما يشرح، لا تقف عند حدود أرقام تظهر فى الموازنة، وإنما تفرض التزامات دورية بالسداد، وكلما حان موعد الاستحقاق تحرك جزء من الإيرادات والموارد نحو خدمة هذه الالتزامات، بما يضغط على قدرة الدولة فى توجيه مواردها إلى الاستثمار والتنمية، ويؤثر بالتبعية على الاحتياطيات والنقد الأجنبى.
يربط بين الدين وبين عدد من الاختلالات الأخرى؛ فالتضخم وسعر الصرف، فى قراءته، لا يمثلان أزمات منفصلة، وإنما يأتيان فى جانب منهما كنتيجة لتراكمات مالية واقتصادية أعمق، تتطلب معالجة جذورها بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع أعراضها.
ينتقل إلى ملف آخر لا يقل حساسية، يتعلق بالحصيلة الضريبية، متسائلًا عن جدوى استمرار إعفاء بعض الجهات من سداد الضرائب، معتبرًا أن اتساع نطاق الاستثناءات لا يخدم الاقتصاد، ولا يساعد على بناء منظومة مالية أكثر عدالة وكفاءة، ولا يتوقف عند الضرائب، بل يفتح ملف فوائض الهيئات الاقتصادية، وما يراه من عدم توريد هذه الفوائض إلى بنك الاستثمار، بما يحرم الدولة من الاستفادة الكاملة من موارد كان يمكن إعادة توظيفها فى استثمارات جديدة.
النجاح، فى فلسفته، ليس ضربة حظ ولا لحظة عابرة، وإنما حصيلة إعداد جيد، وعمل شاق، وتجارب تُصقل بالتعلم من الأخطاء. وبالفلسفة ذاتها يقرأ ملامح الاقتصاد الوطنى فى المرحلة المقبلة؛ فالمشهد، من وجهة نظره، لا يحتمل الانتظار، وإنما يحتاج إلى عمل أكثر شراسة، وجهد مضاعف، وتحرك جاد فى القطاعات القادرة على دفع عجلة النمو، بالتوازى مع إصلاح الخلل الإدارى وتفكيك البيروقراطية التى لا تزال تلقى بظلالها على بيئة الأعمال والاستثمار.
بينما تتعدد زوايا رؤيته، يظل العلم والعمل هما كلمة السر فى منهجه؛ فالمعرفة بالنسبة له ليست محطة يصل إليها الإنسان ثم يتوقف، وإنما رحلة مستمرة، وكلما اتسعت دائرة العلم، ازدادت قدرة الإنسان على قراءة الواقع وفهم تعقيداته وصناعة القرار الأكثر دقة، وتنتقل هذه الرؤية أيضًا إلى السياسة المالية، التى يرى أنها اتسمت بقدر من المرونة والنجاح، خاصة مع ما قدمته من حزمة من المحفزات والإجراءات المرتبطة بالمنظومة الضريبية، بما يدعم النشاط الاقتصادى، ويمنح بيئة الأعمال مساحة أكبر للحركة.
< كيف تقيم ملف الاستثمار الأجنبى المباشر؟
< علامات من الحيرة ترتسم على ملامحه للحظات، وكأن السؤال يفتح أمامه ملفًا تتداخل داخله السياسة بالاقتصاد، والمخاطر بالفرص، يقول إن «التوترات الجيوسياسية التى شهدتها المنطقة ألقت بظلالها على حركة الاستثمارات الأجنبية وتدفقات الأموال، بعدما أصبح المستثمر ينظر إلى المخاطر المحيطة باعتبارها عنصرًا أساسيًا فى حساباته قبل اتخاذ قرار الدخول».
يرى أن مواجهة هذه الصورة لا تقع على عاتق جهة واحدة، وإنما تحتاج إلى تكاتف الجهود، وفى مقدمتها السفارات المصرية بالخارج، للعمل على تصحيح الصورة الذهنية عن المنطقة، وإبراز الفرص الحقيقية التى يمتلكها الاقتصاد، بما يساعد على تحويل الاستثمار الأجنبى من مجرد تدفقات مالية إلى استثمارات تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد، وتدعم الإنتاج والتشغيل ونقل الخبرات.
يستطرد فى قراءة سلوك المستثمر المحلى، موضحًا أنه يتجه بصورة أكبر إلى القطاعات التى تحقق عوائد مرتفعة، وهو توجه يجد دعمًا من تركيز الدولة واهتمامها بهذه القطاعات. إلا أنه يرى أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة النظر فى فلسفة الحوافز، بحيث تمتد مظلتها إلى مختلف القطاعات، ولا تتركز فى مجالات بعينها.
يلتفت إلى البورصة، التى يرى أن ارتفاع العوائد بها نجح فى جذب شرائح جديدة من المستثمرين، لتصبح سوق المال أحد المسارات التى يمكن أن تستوعب جانبًا من هذه الرغبة الاستثمارية، وتوفر للشركات فرصًا للتمويل، وللمستثمرين أدوات أكثر تنوعًا.
حصيلة طويلة من التجارب والعلم تظهر بوضوح فى حديثه عن وثيقة ملكية الدولة ووحدة الشركات المملوكة للدولة؛ فهو يرى أن البيروقراطية وتعدد القوانين والإجراءات يمثلان عائقًا أمام سرعة الحركة واستكمال المستهدفات، ولذلك فإن تمكين الوحدة من أداء دورها يتطلب إزالة العقبات، وتقديم التيسيرات اللازمة، بما يسمح بالمضى قدمًا فى برنامج طرح الشركات الحكومية، وتحويله من مجرد مستهدفات إلى واقع ملموس.
ولا يخفى محدثى انحيازه المهنى إلى سوق المال، وهو انحياز يبدو واضحًا حين يتحدث عن المنتجات المالية الجديدة؛ إذ يرى أن قصر إتاحتها فى البداية على شركات ذات رؤوس أموال محددة ربما ضيق مساحة التجربة، وكان من الأفضل، من وجهة نظره، إتاحة الفرصة أمام نطاق أوسع من الشركات، ثم وضع الضوابط والتنظيمات المناسبة فى ضوء ما تسفر عنه التجربة العملية.
خلف كل إنجاز كبير، ساعات طويلة من العمل، وأيام من الصبر، ورؤية تعرف إلى أين تتجه، وهو ما تكشفه مسيرته ودوره فى الارتقاء بأداء الشركة بالتعاون مع مجلس الإدارة، حيث يعمل خلال المرحلة المقبلة على 3 مستهدفات رئيسية، يأتى فى مقدمتها استكمال باقى تراخيص الأنشطة، بما يتيح للشركة توسيع نطاق أعمالها والاستفادة من فرص جديدة. ويوازى ذلك العمل المستمر على تطوير البنية التكنولوجية، باعتبار التكنولوجيا اليوم أحد أهم مفاتيح المنافسة فى سوق الخدمات المالية، أما المستهدف الثالث، فيتمثل فى إطلاق منظومة الموبايل أبلكيشن، بما يوفر تجربة أكثر سهولة ومرونة للعملاء، ويدعم قدرة الشركة على الوصول إلى شرائح جديدة، وصولًا إلى زيادة قاعدة العملاء.
كل خطوة إلى الأمام كانت فى وقت ما حلمًا يحتاج إلى إرادة تؤمن به، وعزيمة لا تعرف الاستسلام، وهكذا محدثى، يحث أولاده على التمسك بالقيم والمبادئ لإيمانه كل ما هو صحيح ينجح، لكن يظل شغله الشاغل الوصول بالشركة إلى الريادة.. فهل يستطيع ذلك؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض