صنعة الجريمة وصناعة الثراء
استيقظت اليوم على مقطع فيديو، يطلقون عليه تريند، وأنا شخصياً معرفش أصل هذا المصطلح إيه، لكن تمشياً مع لغة هذا الزمان أصبحنا مؤتلفين مع عبارات ومصطلحات جديدة لا نعرف عنها أو لها أصلاً أو معنى، المهم صحيت على واقعة جديدة، جديدة فى نظر البعض، لكنها من وجهة نظرى واقعة مكررة وممسوخة، مقطع فيديو مدته لا تزيد على عشر ثوانٍ، تظهر فيه سيدة فى قمة ثورتها توجه عبارات سب لأحد افراد الأمن داخل كومباوند سكنى شهير، والواضح جداً أنه جزء مقتطع بعناية من كامل المقطع المصور، فقد خلا المقطع من بداية القصة أو ما دار من حديث أو شجار قبل هذا المقطع المنشور، كما خلا أيضاً من باقى التصوير الذى يحمل كيفية انتهاء هذه المشاجرة، هذه الرسالة التى حملها المقطع المجتزأ تحمل معنى واحداً وهو شيطنة هذه السيدة وتصدير المشهد على انها ست مفترية ومتوحشة ومفيش عندها أى رحمة أو دين، وفى المقابل فرد أمن ملاك، ناقصة جناحين ويطير، طيب، غلبان، لا حول ولا قوة له، وبسرعة فائقة يتم نشر الفيديو، وكله بسرعة يشير يا جماعة، صفحات بأسماء وهمية تبدع فى وضع عناوين حراقة، تولع الدنيا، واستغاثات للنائب العام ووزير الداخلية ورئيس الجمهورية، الحقونا الست الغنية المفترية بتشتم الغليان، ومطالبات بسرعة القبض عليها والفتك بها، وفى ثوانٍ معدودة تحولت الواقعة إلى جريمة رأى عام، وتعرضت جهات الضبط وجهات التحقيق إلى ضغط رهيب مصدرة أتون الرأى العام، فإذا تأخر القبض عليها اتهمت الداخلية أنها تناصر الأغنياء وأن الست لها نفوذ!!! و... و... وممكن كمان يقولك ان أبوها فلان وعمها علان، وان الغلبان ده ملوش حد، ونفس الضغوط تنال من حيدة المحقق لأنه إذا اخلى السبيل قامت عليه الدنيا، وبعد استكمال السيناريو تبدأ مرحلة إشاعات أنها أرسلت لنا فلان وعلان وعرضت ملايين الجنيهات لكن الرجل رفض وقال أنا عايز حقى بالقانون، ثم يبدأ الابتزاز الحقيقى والثراء السريع تحت وطأة الحبس الاحتياطى.
موضوع مكرر ومحروق وممجوج، تصوير مالك العقار دايماً إنه شيطان ومفترى وأن فرد الأمن وعامل الزراعة «الجناينى» وعامل الديليفرى ملائكة ومكسورو الجناح، هذا التصوير على إطلاقه تصدير لصورة غير حقيقية للغالبية العظمى من هؤلاء وهؤلاء، التعميم خاطئ، وإثارة الدنيا على حالة فردية تؤجج الخوف والقلق والفرقة بين هذه الفئات.
نعم، أقصد الخوف والقلق بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، خوف تعرضت إليه أنا شخصياً الأسبوع الماضى، ماشى بسيارتى بشارع أحمد عرابى بجوار السائق الخاص بى، وإذا بسيارة تأتى مندفعة من الخلف لتصطدم بمؤخرة سيارتى، نزلت أشوف ما أصاب السيارة فوجدت ما وجدته بها، أنا متغاظ، العربية جت من الخلف وصدمتنى، أنا ليا حق، لكنى وقفت عاجزاً عن الكلام، منعت سواقى من التحدث، بصعوبة كتمت غيظى خوفاً ممن تجمعوا من سائقى الدليفرى والتاكسيات وخلافه، عربيتى عليها بدج دخول المجلس، دار فى ذهنى السيناريو، قلت ياوداد لو نطقت بكلمة هتتصور وتبقى ظالم ومفترى وبتستغل سلطاتك على الغلبان اللى خبطك من الخلف، اه هو غلطان بس اكيد انتم يا أعضاء البرلمان مفتريين ومعاكوا فلوس، إيه يعنى يا حاج عربيتك انخبطت، مش مهم.
عزيزى القارئ كل ده دار فى ذهنى، علشان كدة بصيت للراجل اللى خبطنى ووجدته منهار، هو عارف انه غلطان، وفى نفس الوقت شكل الدمار فى سيارتى لن يقوى على إصلاحه، بسرعه قلت له خلاص يا استاذ ربنا يسامحك وعوضى على الله وانصرفت، انصرفت مهدراً حقى، انصرفت تاركاً شخصاً متهوراً أو مخموراً يعيث فى الشارع خراباً، وغالباً ستتكرر مع غيرى لو لم يرتدع المخالف.
لقد أصبحت صناعة الوقائع وفبركة المقاطع واجتزاء بعض العبارات من سياق الحديث واستخدامها كوسيله للابتزاز أمر غاية فى الخطورة على تركيبة المجتمع المصرى.
خلق روح شيطنة الأغنياء ورجال الأعمال ورجال الدولة وتعميم ذلك المشهد سيزيد من الفرقة بين فئات المجتمع لأنه فى النهاية لن يستغنى صاحب المصنع عن العامل وكذلك العامل، ولن يستغنى صاحب الكومباوند أو البيت عن فرد الأمن أو الجناينى وهم كذلك. هذه هى الحقيقة التى لا يمكن الاستغناء عنها فجميعنا يعلم أنه مكمل للاخر.
يا من تؤججون المشاعر وتثيرون الفرقة وتحاولون بث روح الكراهية والبغضاء بين فئات المجتمع المصرى الطيب، اعلموا انكم بحسن نية تساعدون قوى الشر المتربصة بالدولة المصرية وكذلك الموآقع المأجورة على ما تصبو هى إليه من هدم لقيم ومبادئ المجتمع المصرى.
أرجوكم، اتركوا الناس تعيش مع بعضها بحب، اتركوهم كي يتراحموا فيما بينهم حتى لو أخطأ أحدهم فحتماً وبروح التسامح سيتم التعامل بأخوة ومودة وتنتهى الأزمة .
صناعة الأحداث لخلق هذه الروح جريمة تنافى الواقع المصرى بقيمه ومعتقداته الراسخة منذ آلاف السنين ولا سامح الله من يثير الفتنة والفرقة بيننا.
وللحديث بقية ما دامت فى العمر بقية.
رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض