مصر تملك القدرة... ولكن هل تفعلها؟
منذ اليوم الأول لأزمة سد النهضة كانت مصر تدرك جيدًا طبيعة الملف وحساسيته وتعلم أن القضية لا تتعلق بسد لتوليد الكهرباء فحسب وإنما بأمنها المائي وحق أجيالها القادمة في مياه النيل.
وعلى مدار سنوات الأزمة اختارت القاهرة أن تمنح الدبلوماسية فرصتها مع الاحتفاظ بكل أوراق القوة. واليوم ومع تصاعد حرب التصريحات يبدو أن السؤال لم يعد: هل تستطيع مصر التعامل مع الأزمة؟
بل أصبح: هل ستضطر مصر إلى استخدام خيارات أخرى؟
الحقيقة أن مصر تمتلك قدرات عسكرية كبيرة تمكنها من حماية مصالحها وأمنها القومي وهو أمر تدركه الأطراف المعنية جيدًا. لكن امتلاك القدرة العسكرية لا يعني بالضرورة استخدامها فالقرار العسكري قرار دولة تحكمه حسابات دقيقة تتجاوز الانفعال وردود الأفعال.
ومصر التي لا تبحث عن الحرب تدرك في الوقت نفسه أن الردع الحقيقي يقوم على أن يعرف الآخر أن هناك قدرة وأن استخدامها يظل خيارًا قائمًا إذا تجاوزت الأمور حدودًا معينة.
من يمسك بالخيوط؟
الأزمة لا تبدو اليوم مجرد خلاف بين القاهرة وأديس أبابا. فهناك مصالح دولية وإقليمية متشابكة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وقوى تسعى إلى توسيع نفوذها وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
ومن هنا تبرز تساؤلات مشروعة حول وجود أطراف خارجية تدفع إثيوبيا نحو مواقف أكثر تشددًا تجاه مصر وربما تستخدم سد النهضة كورقة ضغط في صراع أكبر من حدود البلدين.
فمن الصعب تجاهل أن إثيوبيا لا تتحرك في فراغ وأن خلف المشهد مصالح وقوى دولية وإقليمية متنافسة. وربما تكون الحكومة الإثيوبية في بعض جوانب هذا الصراع مجرد "عرائس ماريونيت" تحركها خيوط تمتد إلى خارج أديس أبابا.
والسؤال هنا ليس فقط: ماذا تريد إثيوبيا؟
بل: من المستفيد من استمرار الأزمة؟ ومن يمسك بالخيوط؟
مصر... الصبر لا يعني الضعف
مصر لا تحتاج إلى حرب تصريحات ولا إلى كشف جميع أوراقها. قوتها الحقيقية في قدرتها على الجمع بين الدبلوماسية والردع وبين الصبر والاستعداد.
وقد يكون الهدوء المصري جزءًا من حسابات أعمق فالدول لا تستخدم كل أوراقها في الوقت نفسه ولا تكشف خياراتها قبل أن تصبح ضرورية.
وفي النهاية تظل المعادلة واضحة:
مصر تملك القدرة العسكرية لكنها لا تبحث عن الحرب. والسؤال ليس هل تستطيع أن تفعلها وإنما: هل ستصل الأمور إلى النقطة التي ترى فيها أن عليها أن تفعلها؟
الإجابة ستحددها تطورات الملف لكن المؤكد أن أمن مصر المائي ليس ورقة تفاوض مفتوحة إلى ما لا نهاية.
كاتب المقال
المتحدث الرسمي باسم حزب الوفد
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض