نور
من أهم ما يميز السياسة المصرية الخارجية، عبر التاريخ الحديث، وحتى اليوم، الثبات فى المواقف دونما تقلبات أو تناقضات، تجعلها فى موقف حَرِج أمام أصدقائها قبل خصومها.
هذه الحقيقة يجب أن نضعها أمامنا ونحن نتابع ما يحدث فى العالم والمنطقة من صراعات قائمة على مصالح مباشرة وليس استنادًا إلى مواقف ومبادئ.
أنظر حولك.. وعليك أن تشاهد الصراعات الإقليمية الحالية مقترنة بفهم الناقد والمحلل حتى تتمكن من مقارنة مواقف دول وجيوش كبيرة فقدت قدرتها على حماية مواطنيها وتحقيق التنمية لهم بسبب تقلبات الرؤى وتحولاتها، وعليك أن تستعيد مشاهد تعرضت فيها بلادك لضغوط كبرى كانت كفيلة باتخاذ قيادتها السياسية لقرارات بالسير فى اتجاه الاشتباك مع من يستدرجنا لحرب هنا أو معركة هناك.. ولكن قيادتك لم تسقط فى الفخ ولم تلتهم قطعة الجبن.
حتى على المستوى الدبلوماسى لم تنجرف مصر لصدام يؤدى لقطيعة مع أصدقاء قدامى، ولم تسقط فى حروب كلامية تُفقدها علاقة تاريخية مع شعوب ذات حضارة، فكانت الاستراتيجية هي«الصبرالجميل» برفقة «الردع» الذى لا يجعلنا ضعفاء فى مواجهة أحد.
هذه الفكرة مرت عبر ذهنى وأنا أتابع أخبار الحروب فى المنطقة، ومصائر شعوب كانت تتميز بالغنى، ولكنها فقدت ثرواتها فى مغامرات حُكام لم يفكروا فى معنى الحرب ونتائجها، ثم قلت «الحمد لله» أن بلادنا دولة قديمة تتميز قياداتها بالحكمة، وقراراتها صادرة من فكر وعلم ومعلومات، وأننا نسعى لبناء بلادنا وتنميتها، وأن معاناة التنمية مهما كانت صعبة إلا أن هذه المعاناة لا تساوى يومًا نقضيه تحت القصف والتدمير.
صحيح أننا، فى الماضى، خضنا حروبًا كثيرة دفعنا ثمنها غاليًا من أرواح شبابنا ونزف فيها اقتصادنا، وتدمرت فيه بنيتنا الأساسية، إلا أننا خلالها خضنا معارك الشرف فى مواجهة المعتدين، فلم تكن الحرب تمثل لنا رفاهية، ولكنها كانت إجابة ضرورية على سؤال إجبارى، ووسيلة لتحرير الأرض وقطع يد المُغتصب، ولا يعنى السلام الذى نستهدفه دائمًا، أننا الآن مغلولو الأيدى، ولكن العدو قبل الصديق يعلم أننا نمتلك يدًا طولى لن نمدها إلا بالسلام للرفق بالصديق وبالصفع على وجه العدو اللئيم.
لقد قطعنا مسافة كبيرة فى مشوار تنمية مصر التى كانت تحتاج لقرار بأن تصبح كبيرة عملًا وقولًا مثلما هى كبيرة فى صفحات التاريخ القديم والحديث والمُعاصر، والدولة الكبيرة لايمكن أن تعانى بنيتها الأساسية من التهالك ومرافقها من التشقق وشوارعها من الزحام وأحيائها من العشوائية.
المسافة الكبيرة التى قطعناها فى طريق إعادة هيكلة البنية الأساسية يجب أن يكتمل، فلايمكن أن نتوقف بعدما وصلنا إلى الثلث الأخير من الدرب، وهذا الاستكمال سيمكننا من التفرغ بعده للاهتمام بأفرع أخرى تستحق الرعاية، ولكنها تاهت وسط زحام الفوضى من 2011 وحتى 2017، فقد تراجعت هذه الأفرع فى مرحلة تمهيد الطريق لها لتسير فى اتجاه مُعبد للبناء على أرض ثابتة لها أساس متين.. فحتى يكون لديك اقتصاد قوى يجب أن تجد بنية تساعد هذا الاقتصاد على النمو.. فالنشاط الاقتصادى يحتاج طريقًا ووسائل اتصال وتكنولوجيا وجهاز مصرفى وموانئ ومطارات ونظام إدارى حديث لإدارة مرافق الدولة.
يجب أن نستكمل الخطوات الأخيرة فى عملية البناء دون خوف من ناقد.. فلا يمكن لدولة أن تنشأ على أرضٍ متشققة أو أساس هش.
يجب أن نستكمل الطريق.. فالتنمية ضرورة وليست رفاهية.
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض