رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

زيارة «شى جين بينج» تعيد حسابات واشنطن فى الشرق الأوسط

 

لم تعد زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى القاهرة مجرد مناسبة لتطوير العلاقات المصرية - الصينية أو الاحتفال بمرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وإنما جاءت فى توقيت إقليمى ودولى بالغ الحساسية تتغير فيه حسابات القوى الكبرى وتتسع فيه دوائر المنافسة على المصالح والنفوذ فى الشرق الأوسط ومن هنا تتجاوز أهمية الزيارة حدود العلاقات الثنائية، لتطرح سؤالاً أكبر: كيف ستتعامل واشنطن مع اتساع الحضور الصينى فى واحدة من أهم عواصم المنطقة؟

مصر.. دولة توازن وليست ساحة صراع

اختيار القاهرة يحمل دلالة واضحة فمصر دولة محورية فى النظام الإقليمى العربى وتمتلك موقعاً استثنائياً يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر وتشرف على قناة السويس إلى جانب ثقلها السياسى والدبلوماسى والعسكرى وعلاقاتها الممتدة عربياً وأفريقياً ودولياً.

والصين تدرك أهمية مصر كما تدرك القاهرة أهمية موقعها وقدرتها على إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى لذلك فإن تطور العلاقات المصرية - الصينية لا ينبغى أن يُقرأ باعتباره انتقالاً من واشنطن إلى بكين وإنما باعتباره جزءاً من سياسة مصرية تقوم على تنويع الشراكات والحفاظ على هامش الحركة الاستراتيجية.

فالقاهرة ليست مطالبة بالاختيار بين قوتين عظميين وإنما بإدارة علاقاتها معهما بما يخدم مصالحها الوطنية.

الصين.. من الاقتصاد إلى الحضور الاستراتيجى

لم تعد الصين تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مصدراً للطاقة أو سوقاً للاستثمار فقط بل أصبح استقرار المنطقة مرتبطاً بصورة مباشرة بمصالحها الاقتصادية وأمن طرق التجارة وسلاسل الإمداد والملاحة الدولية ومن هنا تكتسب مصر أهمية خاصة بالنسبة لبكين ليس فقط باعتبارها دولة عربية وأفريقية محورية وإنما أيضاً باعتبارها نقطة اتصال مهمة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وتأتى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس فى مقدمة المصالح التى تمنح العلاقات المصرية - الصينية بعداً اقتصادياً واستراتيجياً طويل المدى.

واشنطن أمام معادلة جديدة

اتساع الحضور الصينى لا يعنى أن الولايات المتحدة فقدت نفوذها فى الشرق الأوسط فهذا استنتاج غير دقيق لكنه يعنى أن البيئة الإقليمية أصبحت أكثر تعدداً وتعقيداً ومن المرجح أن تدفع المنافسة مع الصين واشنطن إلى تعزيز علاقاتها مع حلفائها وشركائها التقليديين وزيادة اهتمامها بأمن البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط إلى جانب تقديم عروض اقتصادية وتكنولوجية أكثر قدرة على المنافسة.

فالمنافسة بين القوى الكبرى لم تعد عسكرية فقط وإنما أصبحت تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية الأساسية والطاقة والتجارة.

قناة السويس.. ورقة قوة مصرية

تمتلك مصر ورقة استراتيجية شديدة الأهمية تتمثل فى قناة السويس لكن الموقع الجغرافى وحده لا يصنع قوة تفاوضية القوة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الموقع إلى صناعة واستثمار ولوجستيات وتكنولوجيا وخدمات ذات قيمة مضافة وهنا يجب أن يكون الهدف المصرى هو بناء منظومة اقتصادية متكاملة حول القناة تجعل منها مركزاً صناعياً ولوجستياً وتجارياً يخدم مصر والمنطقة والعالم.

الأمن القومى خارج حسابات المنافسة

أما التعاون الأمنى والعسكرى مع الصين، فيجب التعامل معه بواقعية بعيداً عن المبالغة أو التفسير السياسى المتعجل.

فمصر ترتبط بعلاقات دفاعية وأمنية راسخة مع الولايات المتحدة وفى الوقت نفسه تعمل على تنويع مصادر التعاون العسكرى والتكنولوجى وهذا التنويع لا يعنى تغييراً فى ثوابت السياسة المصرية بل يمنح الدولة مساحة أكبر للحركة والاستقلال فى اتخاذ القرار.

والقاعدة الأساسية هنا أن الأمن القومى المصرى ليس مجالاً للمنافسة بين القوى الكبرى وأن أى تعاون خارجى يجب أن يخضع أولاً لمعيار المصلحة الوطنية وحماية السيادة وأمن المعلومات والبنية التحتية الحيوية.

الفرصة التى يجب ألا تضيع

الشرق الأوسط يتجه تدريجياً نحو تعدد الشراكات ومراكز التأثير والدولة التى تستطيع إدارة هذه التعددية بذكاء ستكون أكثر قدرة على حماية مصالحها وتعظيم نفوذها وهنا تمتلك مصر عناصر قوة حقيقية موقعها الجغرافى وثقلها العربى والأفريقى وعلاقاتها الدولية المتوازنة وخبرتها الدبلوماسية وقدرتها على التواصل مع أطراف متباينة لذلك يجب ألا تتحول القاهرة إلى ساحة للمنافسة الأمريكية - الصينية بل إلى دولة توازن ومنصة للحوار والتفاهم.

ماذا تحتاج مصر؟

تحتاج القاهرة إلى الحفاظ على التوازن فى علاقاتها مع واشنطن وبكين وعدم تحويل أى منهما إلى علاقة صفرية على حساب الأخرى كما تحتاج إلى تحويل قناة السويس إلى مركز صناعى ولوجستى وتكنولوجى متكامل وربط الاستثمارات الأجنبية بنقل التكنولوجيا والمعرفة وتدريب الكوادر المصرية مع حماية القطاعات الاستراتيجية خاصة الاتصالات والبيانات والطاقة والبنية التحتية الحيوية.

وفى الوقت نفسه يجب تعزيز الدور المصرى فى أمن البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط والحفاظ على مرونة السياسة الخارجية وعدم الانجرار إلى محاور دولية مغلقة.

والأهم أن تطرح مصر رؤية مستقلة للأمن الإقليمى تقوم على احترام سيادة الدول وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية وحماية الملاحة والتجارة، ومواجهة الإرهاب والتطرف.

فى النهاية.. زيارة شى جين بينج إلى القاهرة ليست إعلاناً عن خروج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط وليست إعلاناً عن حلول الصين محلها لكنها تعكس بوضوح أن قواعد التوازن الدولى فى المنطقة تتغير، والسؤال الأهم بالنسبة لمصر ليس مع من نقف؟ وإنما كيف نحول تعدد القوى والشراكات إلى قوة تخدم مصالحنا الوطنية؟

فالمنافسة بين الكبار قد تتحول إلى فرصة للدول التى تمتلك رؤية واضحة ومصر بما تملكه من موقع وثقل وعلاقات متعددة تستطيع أن تكون أكثر من مجرد طرف فى ترتيبات الشرق الأوسط المقبلة تستطيع أن تكون إحدى الدول التى تشارك فى صياغة هذه الترتيبات وتحديد اتجاهها.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لزيارة الرئيس الصينى إلى القاهرة.