اتجــــاه
مع أننا ما زلنا وسط الأصداء «الصدمة»، لاستفزازات وزير المياه الإثيوبى، هايتامو إيتيفا - قبل أسبوعين - عندما تحدث عن بناء سدود جديدة على نهر النيل، وسيادة بلاده على تدفقات المياه، والتحكم فى الحصص المنصرفة لدولتى المصب مصر والسودان»، حتى لاحقنا وزير المياه الإثيوبى «السابق»، شيفيراو جارسو، باستفزاز جديد، حين يدعو حكومة بلاده، بإلزام مصر بدفع تعويضات عن استخدامها مياه النيل، وكلا الاستفزازين، إنما يعكسان موقف «أديس أبابا»، نحو التعنت «العنترى»، فى تصعيد «متعمد» لأزمة سد النهضة، من دون التقيد بما تعهدت، فى اتفاق الخرطوم، مارس 2015، بالتشاور فى قواعد الملء والتشغيل، وسنوات شح المياه أيضاً.
ما قلته فى مقال هنا- السبت قبل الماضى- وكان عنوانه: «متى تردع «القاهرة» الاستفزازات الإثيوبية!»، ما كان معناه، أن القضية لم تعد مجرد خلاف حول سد النهضة، وإنما محاولة تدريجية لفرض أمر واقع «مستحدث»، على إدارة نهر النيل، بدا فى استفزاز الوزير الحالى «إيتيفا»، كما لو أنه ينتقل من سيناريو الدفاع عن الحق فى التنمية، إلى الترويج لمفهوم جديد للسيادة على النهر العابر للحدود، ما تعتبره «أديس أبابا» مورداً إثيوبياً، تنفرد وحدها بالتحكم فى تدفقاته، وعند الوزير السابق «جارسو»، أن تدفع دولتا المصب «مصر والسودان»، مقابل ما تستخدمانه من مياه، فى تحول «خطر»، أن تتعامل مع مياه النيل، على أنها سلعة، تتحكم بلاده فى إدارتها..بيعاً وشراء.
وننبه ما يجب على «القاهرة» الحذر منه، أن التساهل مع استفزازات كهذه، ربما تفهمه «أديس أبابا»، أنه قبول خطابها «المعادى» لطرفى الخلاف، وبالتالى لم يعد «الصمت»، أو التحفظ على رد قوى، سوى تشجيع للجانب الإثيوبى على أن يمضى فى الانتهاء من مخططاته، وهى فى سياق الأزمة، تذهب فى اتجاه «سابقة خطيرة»، لأن مياه النيل ليست ملكاً، أو أصلاً من أصول الدولة الإثيوبية، حتى تتوهم بالتحكم، فى حصتى المياه التاريخية والقانونية، لكل من مصر والسودان، بأن تتحدث عن تسعير مياه النيل، وكأنها سلعة على دولتى المصب، الدفع مقابل استخدامها، ما دامت تعتقد «أديس أبابا»، أن نهر النيل هو مورد إثيوبى خالص.
وكما حذرت من قبل، استمرار الاستفزازات من دون ردع، يفتح المجال أمام المزيد، وها هو قد وقع، مع كلام الوزير الإثيولى «جارسو»، الذى يذهب إلى شبه تأكيد، أن الموضوع لم يعد مجرد استفزاز روتينى أو عابر، بقدر ما يعكس خطاباً إثيوبياً «متعجرفاً»، وربما هو نوع من أدوات اختبار قدرة «القاهرة»، على حماية حقوقها المائية، أوغلت الحكومة الإثيوبية، فى الفعل والقصد، بأن تحول الأمر الواقع إلى قاعدة، سوف تروج لتكون حقاً لها وحدها، وهو بالقطع حق مزعوم، تنطلق الافتراضات والمطالبات هناك، فى «أديس أبابا»، لتحويله إلى فاتورة، يتعين على مصر والسودان سدادها، فى تصعيد «انتهازى»، للضغط على «القاهرة» بالذات، فى ملفات جيوسياسية وعسكرية.
السؤال: ما الذى على «القاهرة» فعله؟.. مع القول إن الرد المصرى، يجب ألا يكون انفعاليًاً، بقدر ما يكون مدروساً وحاسماً، شرط أن تتحرك فوراً، على المستويين الدولى والإفريقى، عبر الأدوات الدبلوماسية والقانونية، وتوثيق أضرار الملء والتشغيل الأحادى، بالموازاة مع حشد الدعم الدولى والأفريقى والعربى، والأهم على الطاولة، كل الخيارات المشروعة، لحماية مصر أمنها المائى، ثم أمنها القومى، والتقيد بصون السيادة الوطنية، ولو استدعى الأمر، اللجوء لخيار القوة، فقد تحير الشعب المصرى، حالة «الصمت» ومسألة «الصبر الاستراتيجى»، ودون أن تصارحه الحكومة، بما إن كان لديها استراتيجية بحجم الأزمة، حتى يطمئن على حياته ووجوده.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض