"حين يتغير وعي الأبناء".. كيف تحمي الأسرة الهوية الدينية في عصر السوشيال ميديا؟
«ناقشت ورشة علمية نظمتها وحدة «حوار» بدار الإفتاء المصرية، خلال فعاليات اليوم الثاني للمؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، التحديات التي تواجه الهوية الدينية للأسرة في ظل التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل مصادر المعرفة وطبيعة العلاقات بين الآباء والأبناء، وسط تصاعد تأثير منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي».
وجاءت الورشة تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. الحوار وأثره في الحفاظ على الهوية الدينية للأسرة أنموذجًا»، ضمن فعاليات المؤتمر المنعقد يومي 2 و3 سبتمبر 2026، تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة نخبة من العلماء والمفتين والباحثين من مختلف دول العالم.
عمرو الورداني: الأسرة لم تفقد تماسكها فقط
وفي مستهل المناقشات، تناول الدكتور عمرو الورداني، رئيس لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب المصري وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، جذور التحولات التي يعيشها المجتمع، موضحًا أن التحديات الراهنة ارتبطت بمسارات متراكمة شملت سيادة ثقافة الاستهلاك، والتراجع التدريجي للغة والتراث والثقافة والدين والأسرة، بالتوازي مع تصاعد الفردية والشعور بالمظلومية والإحباط.
وأشار إلى أن «السيولة المعرفية» أحدثت تحولًا جوهريًا في مصادر المعرفة، فلم تعد الأسرة المصدر الأول الذي يستقي منه الأبناء تصوراتهم عن العالم، وإنما انتقلت مساحة واسعة من تشكيل الوعي إلى منصات التواصل الاجتماعي.
وحذر الورداني من خطورة انفصال الدين عن البيت، مؤكدًا أن أقوى خطاب ديني يتلقاه الأبناء هو ما يشاهدونه في سلوك آبائهم وأمهاتهم، وليس ما يسمعونه من كلمات، داعيًا إلى تخصيص مساحة أسبوعية للحوار الأسري المفتوح، ومؤكدًا أن الأسئلة الصعبة ليست أخطر من الصمت، وأن المرحلة الراهنة تتطلب تعاونًا بين علماء النفس وعلماء الشريعة.
الجيل الجديد لا يريد إجابات جاهزة
من جانبها، أكدت الدكتورة أمل مختار، الخبيرة بمركز الأهرام للدراسات الدينية والاستراتيجية، ضرورة تجاوز فكرة الصراع بين الأجيال، والانتقال إلى فهم ما تغير فعليًا في طريقة تفكير الشباب وما يحتاجون إليه، مشيرة إلى صعوبة وضع سمات جامدة للجيل الجديد بسبب سرعة التحولات التي يشهدها العالم.
ولفتت إلى انجذاب الأجيال الجديدة إلى روايات مختلفة للتاريخ والثقافة، محذرة من تأثير الروايات البديلة التي تنتشر عبر المنشورات والمحتوى الرقمي، خاصة في ظل التساؤلات التي أفرزتها الحروب والصراعات في المنطقة، مؤكدة ضرورة مراعاة الدراسات الدينية للخصائص المختلفة لكل جيل، بما يحافظ على الهوية الدينية دون تجاهل طبيعة الأسئلة الجديدة.
بدورها، تناولت الدكتورة سارة عزيز، مدير مؤسسة «سيف»، الفجوات المتزايدة داخل الأسرة، خاصة بين الآباء والأبناء، مشيرة إلى وجود اختلاف في اللغة والمفاهيم والتوقعات بين الطرفين، إلى جانب فجوة أخرى بين التدين والحياة اليومية، تتعلق بكيفية تحويل المبادئ الدينية إلى ممارسة وسلوك يعيشه الإنسان في تفاصيل حياته.
الأبناء يبتعدون نفسيًا قبل أن يبتعدوا جسديًا
وركزت الدكتورة فاطمة عنتر، مساعد وزير الأوقاف لشؤون الواعظات، على أسباب ابتعاد الأبناء عن البيت نفسيًا قبل أن يكون الابتعاد جسديًا، مؤكدة أن التحولات التكنولوجية أوجدت أنماطًا جديدة من العلاقات والتعلق، حتى أصبح الذكاء الاصطناعي في بعض الحالات بديلًا عن الأب أو الصديق أو الرفيق.
وشددت على أن الحفاظ على الهوية الدينية يبدأ من العلاقة داخل الأسرة، موضحة أن الكلام يمثل جزءًا من الحوار، لكن الأهم هو نوعية التواصل والاهتمام بالكيف لا بالكم، وأن الآباء أنفسهم يحتاجون إلى التدريب على فهم اختلاف الأجيال والتعامل معه.
رضوان السيد: الأجهزة تعيد تشكيل طريقة التفكير
وفي مداخلته، أوضح الأستاذ الدكتور رضوان السيد، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة محمد بن زايد ورئيس الورشة، أن الأجهزة الرقمية لم تعد مجرد أدوات للحصول على المعلومات، وإنما أصبحت قادرة على إعادة تشكيل العقول وطريقة التفكير ورؤية العالم، بل إنها في بعض الأحيان أكثر إغراءً للأطفال من الأهل.
وأشار إلى أن العالم يتغير بوتيرة أسرع من قدرة المجتمعات على التكيف معه، وأن منظومة القيم المشتركة تواجه تصدعات متزايدة تنعكس على قضايا الأسرة والمرأة والطفل والعلاقات الاجتماعية، مؤكدًا أن مواجهة هذه التحولات تتطلب ثقافة حوار واسعة وتعاونًا بين الأجيال والمؤسسات.
كما أكد أهمية المدرسة والمعلم في تشكيل وعي الطفل، مشيرًا إلى أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل وإنما حاملة للقيم، وأن التحدي الأكبر لا يكمن في قضية الإلحاد وحدها، وإنما في التغير الفكري العميق الذي يعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه والعالم من حوله.
غياب الأب.. أزمة تتجاوز الحضور الجسدي
من جانبه، تناول الأستاذ ميشيل جرجس، رئيس مؤسسة «رجل»، قضية غياب الأب داخل الأسرة، موضحًا أن تراجع الدور الأبوي قد ينتج عنه عدد من الأزمات لدى الأبناء، من بينها الإدمان والعنف والاكتئاب وغيرها من صور الاضطراب.
وأكد أن المشكلة لا ترتبط فقط بغياب الأب الجسدي، وإنما تمتد إلى عدم إدراك الرجل لحقيقة دوره ووظيفته الأسرية، مشددًا على أن إعادة تفعيل هذا الدور تبدأ من وعي الرجل بمسؤوليته داخل الأسرة.
الطفل يسأل الشاشة بدلًا من الشيخ
وفي محور الذكاء الاصطناعي، طرح الأستاذ الدكتور محمد فتحي، أستاذ الإعلام وعضو لجنة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة، إشكالية اعتماد الأبناء بصورة متزايدة على أدوات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها «شات جي بي تي»، للحصول على إجابات في المسائل الدينية والفتاوى، بدلًا من الرجوع إلى أهل العلم والمتخصصين.
وأشار إلى أن المؤسسات الدينية لا تملك حتى الآن صورة كاملة عن الحالة الدينية للأسرة المصرية، خاصة مع تراجع لجوء بعض الأسر إلى المؤسسات الشرعية المتخصصة، داعيًا إلى إعادة النظر في تأهيل مقدمي الخدمة الدينية والدعوية، ومدى قدرتهم على التعامل مع أسئلة الأبناء الجديدة.
«اسمع ونفذ» يدفع الأبناء إلى الرفض
ومن المنظور النفسي، أكد الأستاذ الدكتور محمد مهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، أن الحوار السلطوي القائم على قاعدة «اسمع ونفذ» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويدفع الأبناء إلى الرفض بدلًا من بناء قناعة حقيقية.
ودعا إلى الانتقال إلى نموذج «حوار الكرامة والعزة»، الذي يقوم على احترام شخصية الطفل وآدميته، وإتاحة المجال له للتعبير والسؤال والمناقشة، مؤكدًا أن التواصل القائم على الاحترام أكثر فاعلية من الحوار القسري والأوامر المباشرة.
المشكلة ليست في الأجيال الجديدة وحدها
بدوره، أكد الدكتور باسل عادل، عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب الوعي، أن تحميل الأجيال الجديدة وحدها مسؤولية الأزمة ليس دقيقًا، مشيرًا إلى ضرورة النظر إلى طريقة تعامل الأهل مع جيلي Z وألفا، وما طرأ على البناء الأسري من تغيرات في مفهوم القوامة واستقلالية المرأة وأدوار أفراد الأسرة.
وفي محور آخر، تناول الدكتور نور أسامة، عضو المجلس القومي للطفولة والأمومة، مخاطر استقطاب الأطفال وتجنيدهم من جانب التنظيمات الإرهابية، موضحًا أن التنظيمات المتطرفة تستغل الاحتياجات النفسية والاجتماعية للأطفال، وتمنحهم شعورًا بالأهمية والقيمة والانتماء، مؤكدًا أن تعزيز الهوية الوطنية يمثل خط دفاع أساسيًا في مواجهة الاستقطاب.
الأسرة.. الحاضن الأول للإنسان
وأكدت الدكتورة نادية عمارة أن الأسرة تمثل الحاضن الأول للإنسان، وأن أثرها يمتد إلى تشكيل شخصيته وقيمه وسلوكه، موضحة أن دور الآباء لا يتوقف عند تعليم الأبناء، وإنما يشمل فهم عالمهم والتعلم منهم، مع ضرورة أن يكون الأب والأم قدوة عملية أمام أبنائهما.
وفي السياق الرقمي، حذر القس بيتر وديع، الراعي الشريك بالكنيسة الإنجيلية، من المخاطر المتزايدة التي يواجهها الأطفال في الفضاء المفتوح، مشيرًا إلى أن التحديات تجاوزت الرقابة التقليدية وامتدت إلى بيئات رقمية أكثر خطورة، ما يستدعي بناء «حصانة رقمية» لدى الأبناء تقوم على الوعي والقدرة على اكتشاف المخاطر والتعامل معها.
«مركز حوار»: نحتاج إلى أدوات جديدة
وفي ختام الورشة، أوضح الدكتور طاهر زيد، مدير مركز حوار بدار الإفتاء ومقرر الورشة، أن الهدف تمثل في فتح مساحة علمية وحوارية لمناقشة التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل الأسرة المعاصرة، وتأثيرها في هوية أفرادها وتماسكها.
وأكد أن مواجهة هذه التحولات تتطلب تطوير أدوات الحوار والتربية، وبناء علاقة أكثر قربًا بين الآباء والأبناء، إلى جانب حماية الهوية الدينية من خلال التربية والحوار والثقة، وليس عبر الرقابة وحدها، بما يسمح للأسرة بأن تستعيد دورها في تشكيل وعي أبنائها وسط تعدد مصادر المعرفة والتأثير.





تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

