رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

من الفتوى إلى الوقاية.. مؤتمر الإفتاء يبحث إنقاذ الأسرة قبل تفاقم الأزمات

بوابة الوفد الإلكترونية

واصلت الجلسة العلمية الرابعة بالمؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء مناقشاتها حول الإصلاح الأسري، مع التركيز على تطوير الدور المؤسسي للفتوى والانتقال من التعامل مع النزاعات بعد وقوعها إلى الوقاية منها، وتعزيز التماسك الأسري في مواجهة التحولات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والرقمية المتسارعة.

وتناولت الجلسة، التي جاءت ضمن فعاليات المؤتمر المنعقد تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، عددًا من الأبحاث التي بحثت الإفتاء الوقائي، والإرشاد الأسري، والوساطة في النزاعات الزوجية، والتكامل بين المؤسسات الدينية والنفسية والاجتماعية.

صيانة الأسرة وحفظ مقصد التبليغ

وفي هذا الإطار، قدم الأستاذ الدكتور فهمي أحمد عبد الرحمن القزاز، رئيس الأكاديمية الموصلية لتدريس العلوم الشرعية وأستاذ الحديث وعلومه بكلية الإمام الأعظم الجامعة، بحثًا بعنوان «مقام الأسرة من مقصد التبليغ»، تناول خلاله موقع الاستقرار الأسري من مقصد التبليغ وحفظ الدين.

وأوضح أن الشأن الأسري في بيت النبوة لم يكن شأنًا خاصًا بمعزل عن الوحي، مستشهدًا بحادثتي الإفك والإيلاء، وما ورد بشأنهما من توجيه قرآني.

وأشار إلى أن صيانة الأسرة تمثل شرطًا حافظًا لمقصد التبليغ، وليست مصلحة خاصة بأفرادها، مؤكدًا أن التفريق بين الزوجين يمثل من أعظم صور كيد الشيطان، وأن الحفاظ على الكيان الأسري يرتبط بصورة مباشرة باستقرار المجتمع.

الإفتاء الوقائي.. من علاج المشكلة إلى منعها

من جانبه، قدم الأستاذ الدكتور محمد مصطفى أحمد شعيب، مدير إدارة البحوث والدراسات بمجمع الفقه الإسلامي الدولي، بحثًا بعنوان «الإفتاء الوقائي ودوره في تعزيز التماسك الأسري»، تناول خلاله كيفية تطوير العمل الإفتائي لمواجهة التحديات التي فرضتها التحولات الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والرقمية.

وأكد أن الإصلاح الأسري لا ينبغي أن يبدأ بعد تفاقم النزاع، وإنما من خلال بناء الوعي والوقاية الاستباقية، موضحًا أن الإفتاء الوقائي يمثل مدخلًا شرعيًا فاعلًا لتعزيز التماسك الأسري.

واقترح البحث نموذجًا إجرائيًا يقوم على رصد المتغيرات وتحليلها وتأصيلها شرعيًا، ثم بناء برامج وقائية وتقويم أثرها بصورة مستمرة، مع تعزيز التعاون بين مؤسسات الإفتاء والجامعات ومراكز البحوث والجهات المعنية بشؤون الأسرة.

القرآن والسنة.. مراعاة المشاعر في الأزمات

وفي سياق متصل، قدم الدكتور الشيخ سليم علوان، أمين عام دار الفتوى في أستراليا، بحثًا حول تحول الدور المؤسسي من الفتوى إلى الإرشاد الأسري، عرضه بالنيابة عنه الدكتور محمد رضوي بن محمد إبراهيم، رئيس جمعية علماء سريلانكا.

وأوضح أن القرآن الكريم لم يقتصر على بيان الأحكام، وإنما قدم كذلك نماذج لكيفية التعامل مع الأزمات وبناء الأمل، خاصة في حالات الشقاق بين الزوجين.

وأشار إلى أن هدي النبي ﷺ يقدم نموذجًا مهمًا في مراعاة المشاعر وفهم النفوس داخل العلاقات الأسرية، مؤكدًا أهمية دمج الإرشاد النفسي والاجتماعي مع الفتوى الشرعية في مواجهة الطلاق والنزاعات الزوجية وتفكك الروابط الأسرية.

وثمّن نموذج دار الإفتاء المصرية في هذا المجال، داعيًا إلى ربط الفتوى بالسياسات الأسرية العامة وتطوير آليات التكامل بين المؤسسات الإفتائية والجهات المتخصصة.

«لَمِّ الشمل».. تدخل مبكر لإعادة بناء التواصل

من جانبها، قدمت الدكتورة نورا عبد الفضيل عبد اللطيف، عضو وحدة «لم الشمل» بمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية ورئيس قسم فتاوى النساء، بحثًا حول تجربة الوحدة في الإصلاح الزواجي.

وأكدت أن النزاعات الزوجية لم تعد مرتبطة بعامل واحد، وإنما تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية، وتدخل الأهل، واختلاف المرجعيات القيمية، وضعف مهارات التواصل، والاستخدام غير الرشيد للتكنولوجيا، وانتهاك الخصوصية، فضلًا عن المشكلات النفسية والتصورات غير الواقعية للحياة الزوجية.

وأوضحت أن تطوير الإصلاح الأسري يقتضي تجاوز الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة الفقهية إلى تصحيح المفاهيم، وتوجيه الزوجين، والتدخل في النزاع قبل استفحاله، مع التمييز بين الحالات التي تصلح للوساطة وتلك التي تحتاج إلى تدخل نفسي أو قانوني أو حمائي متخصص.

واستعرضت تجربة وحدة «لَمِّ الشمل» بوصفها نموذجًا مؤسسيًا يجمع بين الوظائف الإفتائية والتثقيفية والمجتمعية، ويسعى إلى الاقتراب من أطراف النزاع وفهم أبعاده وإعادة بناء التواصل بينهم.

«المفتي ينبت في أرضه».. وخوارزميات لحماية القيم

وفي ختام الجلسة، عقب الأستاذ الدكتور إدريس الفاسي المهدي، نائب رئيس جامعة القرويين بالمغرب، مؤكدًا أن المفتي ينبغي أن يكون نابعًا من بيئته ومجتمعه، قائلًا إن «المفتي ينبت كالأشجار في أرضه».

وأشار إلى أن التعامل مع التكنولوجيا لا ينبغي أن يقتصر على مواجهة الجرائم الإلكترونية، وإنما يجب أن يمتد إلى بحث تأثير التقنيات الحديثة في القيم والفتوى والمجتمع.

ودعا المؤسسات الإفتائية إلى البحث في الخوارزميات وتطوير أدوات تقنية خاصة بها، بما يساعدها على مواجهة المحتوى غير الملائم والأخبار المغلوطة، مؤكدًا أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا من التحديات التي تحتاج إلى معالجة مؤسسية متخصصة.

نحو منظومة متكاملة لحماية الأسرة

وتكشف مناقشات الجلسة عن توجه واضح نحو إعادة تعريف دور المؤسسة الإفتائية في قضايا الأسرة، بحيث لا تقتصر مهمتها على إصدار الحكم الشرعي بعد وقوع الأزمة، وإنما تشارك في بناء الوعي ورصد المؤشرات المبكرة والتدخل الوقائي.

ويأتي هذا التوجه في إطار الانتقال من «فقه معالجة الأزمات» إلى «فقه الوقاية والاستباق»، بما يعزز الإصلاح الأسري من خلال التكامل بين العلوم الشرعية والنفسية والاجتماعية والتقنية، ويمنح المؤسسات الدينية أدوات أكثر فاعلية لمواجهة التحديات التي تهدد تماسك الأسرة واستقرار المجتمع.