رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

 

ليس أخطر ما في الوهم أن يكون كاذبًا، بل أن يمنحك شعورًا جميلًا بأنك فهمت. فالحقيقة، في كثير من الأحيان، تصل عارية وباردة، لا تطرق الباب بأناقة ولا تحمل لك عزاءً جاهزًا. أما الوهم فيدخل كصديق قديم؛ يعرف موضع ضعفك، ويضع يده على كتفك، ثم يقول لك الجملة التي كنت تنتظرها منذ زمن: أنت على حق، العالم هو المخطئ. تعالَ يا صديقي، وانظر إلى هذه اللحظة من حياتك كما لو أنك تراها للمرة الأولى.

ربما لهذا لا نكتفي بأن نخطئ، بل ندافع عن أخطائنا كما يدافع المرء عن بيت نشأ فيه. لا يهم أن تظهر أمامنا الوقائع واحدة بعد أخرى؛ يكفي أن تهدد الصورة التي صنعناها عن أنفسنا حتى يتحول العقل من أداة للبحث إلى محامٍ بارع للمرافعة. لا يعود السؤال: ما الصحيح؟ بل يصبح: كيف أنقذ موقفي؟ كيف أعيد ترتيب الأحداث بحيث أظل الشخص الحكيم، النزيه، الذي لم يخذله حدسه قط؟

أنت تعرف تلك اللحظة التي تقرأ فيها خبرًا يوافق رأيك، فتشعر أن العالم استعاد توازنه. ثم تقرأ خبرًا آخر يناقضك، فتبحث فورًا عن مصدره، ولهجته، ونوايا كاتبه، وكل ثغرة صغيرة تسمح لك برفضه قبل أن تفكر فيه. لا يحدث ذلك لأنك غبي، بل لأن العقل ليس آلة محايدة كما نحب أن نتصور. إنه ابن حاجتنا إلى الأمان، وحارس صورتنا أمام أنفسنا. وفي كل مرة تهتز فيها قناعة قديمة، يسمع في الداخل صوت إنذار كأن خطرًا اقترب من حدود القبيلة.

المشكلة أن الوهم لا يعيش منفردًا. إنه يحتاج إلى لغة، وجماعة، وذاكرة انتقائية، وشيء من الخوف. حين يكرر الناس الفكرة نفسها، لا تصبح صحيحة بالضرورة، لكنها تصبح مألوفة، والمألوف يتنكر في هيئة الحقيقة. وحين يشاركك المحيطون بك الوهم، تشعر أن الشك خيانة، وأن السؤال إساءة، وأن التفكير المستقل رفاهية لا يملكها إلا من لم يذق دفء الانتماء. هكذا يمكن لفكرة هشة أن تتحول إلى جدار، لا لأن حجارتها قوية، بل لأن كثيرين أسندوا ظهورهم إليها.

وهنا، يا صديقي، يتغير السؤال قليلًا؛ لأن ما نبحث عنه في الخارج يترك أثرًا في داخلنا.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نحول العقل إلى متهم وحيد. فالعقل الذي يبرر الوهم هو نفسه الذي يستطيع أن يكتشفه. داخلك قدرة على التراجع، على أن تقول: ربما كنت مخطئًا. وهذه الجملة القصيرة أشبه بباب سري في جدار كثيف؛ لا يراه أحد ما لم يملك شجاعة دفعه. ليست الحكمة أن تخلو من الأوهام، فهذا مستحيل، بل أن تعرف أن قناعاتك قابلة للمراجعة، وأن تحب الحقيقة أكثر من حبك للصورة التي ترسمها عن نفسك.

ابدأ من السؤال الذي يزعجك: ما الفكرة التي لا أسمح لأحد بمناقشتها؟ ما الرأي الذي أشعر بالغضب لمجرد الاقتراب منه؟ وأي جزء من هويتي سيسقط لو اعترفت بأنني لا أعرف؟ غالبًا ما يقودك الغضب إلى المكان الذي يختبئ فيه الوهم. فحين تكون الفكرة متينة، لا تحتاج إلى الصراخ كي تبقى؛ أما الفكرة الهشة فتستدعي الحراس.

ربما لا نعبد أوهامنا لأنها جميلة فحسب، بل لأنها تعفينا من مسؤولية النظر. الوهم يمنحك خصمًا واضحًا، وسببًا جاهزًا، ومستقبلًا مرتبًا. أما الحقيقة فتترك في يدك أسئلة مفتوحة، وتطالبك بأن تعيد بناء موقفك من دون ضمانات. لهذا تبدو الحقيقة أحيانًا أقل جاذبية من الكذبة، لا لأنها أقل نورًا، بل لأن نورها يكشف الفوضى التي كنا نعيش عليها.

وحين تقترب من نفسك في نهاية هذا الطريق، قد لا تجد عقلًا خالصًا يراقب العالم من برج عالٍ، بل كائنًا هشًا يحاول أن يفهم كيلا يخاف. لا تحتقره. فقط لا تتركه يقودك مغمض العينين. اجعل الشك ضيفًا دائمًا على مائدتك، لا ليهدم كل شيء، بل ليمنع الأوهام من التحول إلى أصنام. فالعقل لا يفضح نفسه حين يشك؛ إنما يفضحها حين يصر على أنه لم يخطئ قط.

 

بقلم/ محمد جادالله

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]