تبدو أيسلندا حالة استثنائية في عالم لا تزال فيه القوة العسكرية إحدى أهم أدوات حماية الدول وسيادتها. فمنذ انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي «الناتو» عام 1949، اختارت أيسلندا ألا تمتلك قوات مسلحة، لتصبح الدولة الوحيدة في الحلف التي لا تملك جيشًا نظاميًا. ومع ذلك، لم يكن غياب الجيش يعني غياب منظومة الأمن؛ بل يعني أن ريكيافيك بنت أمنها على شبكة من التحالفات والتفاهمات الدولية.
وتملك أيسلندا خفر سواحل، وقوات شرطة، ومنظومة دفاع جوي ومراقبة راداريه، بينما تتولى قوات حلفائها حماية مجالها الجوي بصورة دورية. ومنذ عام 2008، تنشر دول أعضاء في الناتو طائرات مقاتلة في قاعدة كيفلافيك لفترات تمتد عادة من ثلاثة إلى أربعة أسابيع، نحو ثلاث مرات سنويًا. وفي عام 2026، عززت عملية قتالية هذا الدور، إذ شاركت طائرات سويدية مقاتلة في دوريات فوق أيسلندا.
لكن هذا النموذج يطرح سؤالًا جوهريًا: إلى أي مدى يمكن لدولة أن تضمن أمنها عندما تعتمد في الجزء الأكبر من قدرتها العسكرية على الآخرين؟
الميزة الأساسية لأيسلندا أن موقعها الجغرافي يمنحها أهمية استراتيجية تفوق حجمها. فهي تقع في قلب شمال الأطلسي، بالقرب من الممر البحري المعروف بـ«فجوة جيوك» بين جرينلاند وأيسلندا وبريطانيا، وهي منطقة حيوية لمراقبة حركة السفن والغواصات والأنشطة العسكرية في شمال الأطلسي. ولذلك فإن حماية أيسلندا ليست مصلحة أيسلندية فقط، بل تخدم أمن الولايات المتحدة وأوروبا والناتو أيضًا.
ومع ذلك، فإن الاعتماد على الحلفاء يحمل مخاطرة واضحة. ففي أوقات السلم يمكن ترتيب دوريات جوية وتبادل المعلومات بسهولة، لكن الأزمات الكبرى قد تفرض على الدول الحليفة توزيع طائراتها وسفنها وقواتها على جبهات متعددة. عندها تصبح أيسلندا أمام اختبار حقيقي: هل سيظل الحلفاء قادرين وراغبين في توفير المستوى نفسه من الحماية؟
وتزداد أهمية السؤال مع تصاعد المنافسة العسكرية في القطب الشمالي وشمال الأطلسي. فالناتو نفسه يعتبر المنطقة ذات أهمية متزايدة لأمنه، وقد كثف تدريباته وأنشطته العسكرية فيها. ومع ذلك، لا يعني غياب الجيش أن أيسلندا دولة عاجزة؛ فهي تساهم في منظومة الناتو عبر الرادارات، والمراقبة الجوية، وخفر السواحل، وتوفير البنية التحتية والدعم اللوجستي للحلفاء.
في النهاية، تمثل أيسلندا تجربة استثنائية: لأن الأمن لا يقتصر دائمًا على عدد الجنود والطائرات، بل يمكن أن يستند على أبعاد آخري مثل الموقع الجغرافي وقوة التحالفات والمصالح المشتركة. لكن هذا النموذج يظل رهينًا بقاعدة بسيطة: ما دام الحلفاء مستعدين للدفاع عنها، تستطيع أيسلندا الاستمرار بلا جيش؛ أما إذا تغيرت حسابات القوى الكبرى، فقد تكتشف الدولة الصغيرة أن الاعتماد على الآخرين هو في حد ذاته أكبر تحدٍ لأمنها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض