رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

ثمة قواسم مشتركة وجوانب التقاء عديدة بين المشروعين الإسرائيلى والإثيوبي، إذ تربط الدولتين علاقات تاريخية، ودينية، واستراتيجية، وثيقة. فقد عملت إسرائيل على نقل عشرات الآلاف من اليهود الإثيوبيين إلى أراضيها عبر جسور جوية شهيرة، كـ«عملية موسى» عام 1984، و«عملية سليمان» عام 1991. كما ترى إسرائيل فى إثيوبيا عمقاً استراتيجياً حيوياً فى القارة الأفريقية ومنطقة القرن الأفريقي، لتعزيز سيطرتها على الممرات المائية وتأمين مصالحها بعيداً عن الجبهات العربية التقليدية. وتاريخياً، قدّمت إسرائيل -ولا تزال- دعماً عسكرياً وأمنياً وتقنياً لإثيوبيا. ولعل أخطر أوجه التشابه بين المشروعين هو طموحهما التوسعى الإقليمى على حساب دول الجوار، إذ يلتقى الطرفان فى السعى نحو تعزيز النفوذ وتأمين الحضور العسكرى والأمنى حول منافذ البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وعلى هذا، تكتسب مقاربة المشروعين الإسرائيلى والإثيوبى بعداً أكثر خطورة وواقعية عند التحليل المباشر لمضمون التصريحات الرسمية الإثيوبية الأخيرة، حيث أضحت الخطابات الصادرة من أديس أبابا تتجاوز الخطاب التنموى التقليدى إلى الإعلان الصريح عن عقيدة «الهيمنة الجيوسياسية» المائية والبحرية. تمامًا كما تفعل إسرائيل، فهذا الخطاب الإثيوبى بالـ «سيطرة الإفرادية» يتماهى تماماً مع الخطاب الإسرائيلى الداعى لفرض السيطرة المطلقة فى سوريا، وجنوب لبنان، الضفة وغزة، وكذلك الغور والحدود المائية والإقليمية.
كما يعتنق المشروعان ذات المنطق فيما يتعلق بسياسات وممارسات فرض الأمر الواقع، بغرض تحويل الحقوق التاريخية والدولية إلى مجرد تفاوض على «منح وإملاءات» تفرضها القوة القائمة على الأرض. وإعادة صياغة قواعد القانون الدولى وتكريس منطق «السيادة المطلقة». فالتصريحات الإثيوبية المكررة أمام المحافل الإقليمية والدولية تسعى إلى تقديم إثيوبيا بوصفها القوة القيادية التى «تبنى الرؤية المائية لإفريقيا» وتُحدد قواعد التعامل مع الأنهار الدولية وفق مفهوم «الملكية السيادية للحق المائى» بدلاً من التوافق والتعاون بحسن نية. وهنا التشابك مع العقيدة الإسرائيلية، حيث يتطابق هذا النهج مع ازدراء اليمين الإسرائيلى لقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولى الإنسانى. كما أن كلاهما يقدم تأويلاً أحادياً للسيادة، إسرائيل تطبق «الحق التاريخى والدينى» للاستيلاء على الأرض وتجريد الفلسطينيين من دولتهم، وإثيوبيا تطبق «الحق المطلق لدولة المنبع» لاحتكار النهر الشريانى ودول المصب.
لكن الملمح الأكثر خطورة فى هذا السياق هو أن التصريحات الإثيوبية لم تتوقف عند حدود السيطرة على المياه العذبة، بل امتدت إلى التلويح الصريح بـ «الحق الطبيعى والتاريخى» فى الوصول إلى البحر الأحمر، وهو ما تُرجم عملياً عبر الاندفاع نحو تفاهمات أحادية مع إقليم «أرض الصومال» للحصول على منفذ تجارى وقاعدة بحرية، ليُشكل هذا التمدد الجنوبى قوس تشابك استراتيجى مباشر مع الرؤية الإسرائيلية الساعية لتأمين نفوذ دائم وحضور أمنى مكثف فى جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهى المعادلة التى تقود فى محصلتها النهائية إلى التقاء نفوذ المشروعين عند أهم نقاط الاختناق المائى والبحرى للأمن القومى العربى، متمثلة فى شريان النيل جنوباً وقناة السويس شمالاً.
نحن إذن إزاء مشروعين متكاملين فى طموحهما التوسعي، مشروع شمالى-شرقى إسرائيلى يُفتت الجغرافيا الفلسطينية ويمنع تواصلها لإنتاج كيان منزوع السيادة، ومشروع جنوبى إثيوبى يُصادر شريان الحياة المائى ويفرض ترتيبات أحادية تُوجد بؤر توتر جيوسياسى جديدة على البحر الأحمر. وبذلك، تغدو أدوات «السدود الأحادية» و«الاستيطان الجغرافى» وجهين لعملة واحدة، تستهدف إعادة رسم الخريطة الإقليمية، وتفريغ مفاهيم السيادة الوطنية من مضمونها، وإضعاف مرتكزات الدولة القومية فى المنطقة برمتها. لتشكيل قوس ضغط وتطويق موجه ضد العمق الاستراتيجى للدولة القومية العربية ومصر تحديداً.