ما جرى أخيرًا في ملف سد النهضة ليس مجرد خلاف فني حول تقرير أو خطأ في خريطة وإنما يكشف مرة أخرى أن معركة النيل أصبحت تتجاوز حدود المياه إلى صراع أوسع على النفوذ والسيادة وترتيب موازين القوى في شرق أفريقيا.
فقد رفض الجانب المصري التوقيع على التقرير الاستشاري الخاص بدراسة آثار إنشاء وتشغيل سد النهضة بسبب ما أُعلن عن وجود أخطاء في الخرائط المرفقة بالتقرير وهي خرائط تضمنت مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد ضمن الحدود السودانية. وقد أثار هذا الأمر اعتراضًا مصريًا واضحًا.
وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف.
الخرائط ليست مجرد رسومات توضيحية عندما يتعلق الأمر بالحدود والسيادة.
فإدراج أراضٍ محل نزاع بين دولتين داخل خريطة مرتبطة بملف دولي شديد الحساسية يمكن أن يتحول إذا تم اعتماده أو التوقيع عليه إلى سابقة سياسية وقانونية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد "خطأ فني".
ومن هذه الزاوية فإن رفض مصر التوقيع كان موقفًا منطقيًا لأن القاهرة لا يمكن أن تقبل بأن يتحول تقرير فني عن سد النهضة بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى وثيقة تحمل دلالات على قضية حدودية منفصلة تمامًا عن موضوع التقرير.
أثيوبيا تلعب بالنار
المشهد لا يتوقف عند الخرائط.
ففي الأيام الأخيرة صعّدت إثيوبيا خطابها بشأن مياه النيل وأعلنت دخول اتفاقية الإطار التعاوني لنهر النيل المعروفة باتفاقية عنتيبي حيز التنفيذ في وقت ترفض فيه مصر والسودان الانضمام إليها. كما تحدث مسؤولون إثيوبيون عن إنشاء سدود جديدة وعن دور إثيوبيا في التحكم في تدفقات المياه.
*وهنا تبدو الصورة أكثر وضوحًا
إثيوبيا لا تتعامل مع سد النهضة باعتباره مشروعًا منفردًا وإنما تحاول بناء إطار سياسي وقانوني جديد لإدارة مياه النيل تكون فيه دول المنبع أكثر تأثيرًا بينما ترى مصر والسودان أن أي نظام جديد لا يمكن أن يتجاهل حقوق دولتي المصب أو الاتفاقات القائمة ومبادئ القانون الدولي.
وقد أعلنت القاهرة والخرطوم بوضوح رفضهما لأي تحركات أحادية يمكن أن تضر بمصالحهما المائية وأكدتا أن الأمن المائي المصري والسوداني يمثل وحدة واحدة وأن قضية سد النهضة تظل قضية بين الدول الثلاث وليس من المقبول جرّ بقية دول الحوض إلى النزاع باعتباره قضية جماعية.
هل كان وضع حلايب وشلاتين في الخريطة مجرد خطأ؟
قد يكون خطأ فنيًا بالفعل.
وقد يكون نتيجة إهمال من الجهة التي أعدت الخرائط.
لكن في السياسة الدولية ليس كل خطأ بريئًا وليس كل خطأ يمكن تمريره باعتباره خطأً.
عندما يكون الملف هو سد النهضة وعندما تكون الأطراف هي مصر والسودان وإثيوبيا وعندما تكون الخريطة جزءًا من وثيقة فنية يجري التعامل معها على المستوى الدولي فإن أي خطأ يتعلق بالحدود يحتاج إلى تفسير واضح وتصحيح رسمي قبل أن يطلب من الدولة المعنية التوقيع.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: *من رسم الخريطة؟*
من راجعها؟ ومن اعتمدها؟ ولماذا ظهرت بهذه الصورة في هذا التوقيت؟
وإذا ثبت أن الأمر لم يكن مجرد خطأ فني عابر فإن المسألة تصبح أكثر خطورة بكثير.
لعبة أكبر من سد
لا أعتقد أن من الحكمة أن ننظر إلى المشهد باعتباره مواجهة مصرية إثيوبية فقط.
القرن الأفريقي أصبح ساحة تنافس دولي وإقليمي معقدة والنيل واحد من أهم أوراق النفوذ في المنطقة.
ولهذا يمكن أن تكون هناك أطراف دولية وإقليمية تستفيد من استمرار حالة التوتر وإعادة تشكيل التحالفات وموازين القوى حول النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
لكن القول بوجود إدارة مباشرة من أجهزة مخابرات دولية يحتاج إلى أدلة لا تتوافر لدينا حتى الآن.
أما المؤكد فهو أن الصراع أصبح يحمل أبعادًا تتجاوز المياه وحدها: سياسة، واقتصاد، وأمن، ونفوذ إقليمي، وحدود وسيادة.
وهنا يجب أن تكون القاهرة شديدة الحذر.
من يظن أن مصر في مأزق؟
هناك من يقرأ المشهد باعتباره نجاحًا إثيوبيًا ويرى أن مصر أصبحت أمام أمر واقع: سد اكتمل واتفاقية عنتيبي دخلت حيز التنفيذ وفق الإعلان الإثيوبي وإثيوبيا تتحدث عن سدود جديدة بينما تتسع دائرة دول المنبع المشاركة في الإطار الجديد.
لكن هذه قراءة سطحية.
فمصر لم تكن يومًا دولة يمكن دفعها إلى توقيع وثيقة تمس حقوقها أو سيادتها تحت ضغط الأمر الواقع.
والأهم أن مصر والسودان ما زالا يملكان موقفًا قانونيًا وسياسيًا مشتركًا بشأن ضرورة وجود اتفاق ملزم لقواعد ملء وتشغيل سد النهضة ورفض الإجراءات الأحادية.
كما أن إعلان إثيوبيا بشأن عنتيبي لا يعني تلقائيًا أن الاتفاقية أصبحت ملزمة لمصر والسودان اللذين لم يوقعا عليها وهو ما أكده خبراء مصريون في تعليقات حديثة على التطورات.
لا تستهينوا بمصر
ربما يبتسم بعض اللاعبين الآن.
ربما يعتقد البعض أن القاهرة حوصرت سياسيًا وأن إثيوبيا فرضت الأمر الواقع وأن السودان أصبح منشغلًا بأزمته الداخلية وأن ملف النيل يتحرك بعيدًا عن الموقف المصري.
لكن التاريخ يعلمنا شيئًا مهمًا:
الهدوء المصري لا يعني الغياب.
ومصر التي خاضت معاركها السياسية والعسكرية والدبلوماسية عبر عقود تعرف جيدًا أن بعض المعارك لا تُحسم بالصوت الأعلى وإنما بالنفس الأطول والقدرة على بناء التحالفات واستخدام القانون الدولي والتحرك في الوقت المناسب.
أما تحويل كل خطوة إثيوبية إلى انتصار تاريخي فهو نوع من قراءة المشهد بالأماني.
إثيوبيا تلعب بالنار
إثيوبيا اليوم تختبر حدود قدرتها على فرض أمر واقع جديد في حوض النيل.
لكن عليها أن تدرك أن النيل نهر دولي مشترك وليس ملكًا لدولة واحدة وأن محاولة فرض السيطرة المنفردة على تدفقاته تتعارض مع المبادئ التي تتمسك بها مصر والسودان وعلى رأسها عدم الإضرار والتعاون والتشاور وحسن النية.
والأخطر أن فتح ملفات الحدود والسيادة داخل وثائق مرتبطة بملف المياه يمكن أن يحول الخلاف من أزمة مائية إلى أزمة سياسية وقانونية أوسع.
وهنا تصبح الرسالة المصرية واضحة:
لا توقيع على وثيقة تحمل خطأً يمس السيادة ولا قبول بأمر واقع في مياه النيل ولا تنازل عن حقوق مصر تحت أي ضغوط.
قد يظن البعض أن اللاعبين الخصوم يبتسمون اليوم.
لكن التاريخ كثيرًا ما كان قاسيًا مع من يخلط بين الهدوء والانكسار وبين الصبر والعجز وبين تأجيل الرد وعدم القدرة على الرد.
ولعل المشهد الذي يستحضر في الذاكرة وجوه *جولدا مائير وموشيه ديان* بعد حرب أكتوبر يذكّرنا بأن قراءة موازين القوى لا تكون من صورة اللحظة وإنما من قدرة الدولة على الصمود وإدارة المعركة حتى نهايتها.
قد تبتسم الوجوه اليوم...
لكن في السياسة، كما في التاريخ:
ليس كل من يبتسم منتصرًا وليس كل من يصمت مهزومًا.
وإذا كانت إثيوبيا تلعب بالنار فعليها أن تدرك أن للنيل ضفافًا وللسيادة حدودًا، وللدول صبرًا... لكن للصبر نهاية.
وغدًا لناظره قريب.
كاتب المقال
المتحدث الرسمي لرئيس حزب الوفد
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض