ثلاثة تريندات ارتبطت بجماعة الإخوان لصناعة الغضب الشعبي
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد نافذة للترفيه أو مساحة لتبادل النكات والصور الطريفة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة مؤثرة في تشكيل اتجاهات الرأي العام وصناعة القضايا والظواهر الرقمية.
وفي عالم تتحرك فيه المعلومات بسرعة هائلة، يمكن لمنشور بسيط أو صورة ساخرة أن تتحول خلال ساعات إلى محتوى يتابعه الملايين، لتتجاوز الفكرة حدودها الأولى وتكتسب دلالات جديدة وفقًا لطبيعة التفاعل معها.
وأصبحت ظاهرة «الميمز» والكوميكس واحدة من أبرز أدوات التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أثبتت قدرتها على اختصار مشاعر وأفكار شريحة واسعة من المستخدمين في صورة أو جملة ساخرة.
وفي بعض الحالات، لا يتوقف الأمر عند حدود الضحك، إذ يمكن أن تتحول تلك المواد إلى وسيلة للتعبير عن حالة عامة أو السخرية من ظاهرة اجتماعية، وربما تحمل رسائل سياسية أو اجتماعية، وهو ما يجعل مسار أي تريند رقمي مفتوحًا أمام احتمالات متعددة.
وفي هذا السياق، برز تريند «قاع الهامور»، الذي بدأ من أجواء ساخرة مستوحاة من عالم مسلسل «سبونج بوب» وشخصياته البحرية، قبل أن يتحول سريعًا إلى ظاهرة لافتة على منصات التواصل الاجتماعي، ويجذب أعدادًا كبيرة من المستخدمين الذين وجدوا في شخصياته وقوالبه الساخرة مساحة مناسبة للتعبير عن مواقفهم اليومية.
قاع الهامور
بدأت القصة مع جروب على موقع «فيسبوك» يحمل اسم «شكاوى أهالي قاع الهامور»، مستندًا إلى مدينة Bikini Bottom الخيالية التي تدور فيها أحداث مسلسل «سبونج بوب»، وتعيش فيها مجموعة من الشخصيات البحرية الشهيرة.
واعتمد أعضاء الجروب على تحويل تفاصيل الحياة اليومية والمواقف المعتادة إلى كوميكس ساخرة، من خلال إسقاط الأحداث والمشكلات على شخصيات عالم «سبونج بوب»، وهو الأسلوب الذي ساعد على خلق حالة من التفاعل بين المستخدمين، خاصة مع سهولة مشاركة الصور وإعادة إنتاجها بصيغ مختلفة.
ومع تطور الترند، بدأ بعض المستخدمين في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور جديدة، وتركيب وجوه أو مواقف مستوحاة من عالم «سبونج بوب»، ثم نشرها مصحوبة بتعليقات ساخرة تتناسب مع الأحداث المتداولة، وهو ما منح الظاهرة مساحة أكبر للتجدد والاستمرار.
مشاهير وفنانون يدخلون على خط الترند
ومع الانتشار المتسارع، لم يعد التفاعل مع «قاع الهامور» مقتصرًا على أعضاء الجروب أو المستخدمين العاديين، وإنما امتد إلى صور ساخرة لشخصيات عامة ونجوم في مجالات مختلفة.
وظهرت ضمن المحتوى المتداول صور مرتبطة بالترند لشخصيات فنية من بينها نيللي كريم ومي عز الدين وأحمد العوضي وباسم سمرة ومصطفى غريب وهدى الإتربي، إلى جانب شخصيات رياضية وفنية أخرى، وهو ما ساهم في انتقال الظاهرة من نطاق جروب على «فيسبوك» إلى مساحة أوسع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وبحسب ما تم تداوله، تجاوز عدد أعضاء الجروب حاجز المليون عضو خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يعكس السرعة الكبيرة التي يمكن أن تنتشر بها الأفكار على المنصات الرقمية، خاصة عندما تجمع بين المحتوى الساخر والقابلية العالية للمشاركة وقدرته على التعبير عن مواقف أو مشكلات يشعر بها عدد كبير من المستخدمين.
هل يمكن أن تتحول السخرية إلى حالة عامة؟
مع اتساع نطاق التفاعل، ظهرت تساؤلات حول طبيعة هذا الانتشار وما إذا كان مجرد نتيجة طبيعية لجاذبية المحتوى الساخر، أم أن هناك محاولات لاستغلال الزخم الرقمي وتوجيهه في مسارات أخرى.
وهنا تبرز أهمية التفرقة بين الانتشار الطبيعي للمحتوى وبين الادعاءات المتعلقة بوجود جهات منظمة تقف خلفه؛ فارتفاع عدد المتابعين أو سرعة انتشار منشور لا يمثل في حد ذاته دليلًا على وجود جهة سياسية أو تنظيمية تدير الظاهرة.
كما أن طبيعة مواقع التواصل الاجتماعي تسمح لأي فكرة جذابة بالانتقال سريعًا من مجموعة محدودة إلى جمهور واسع، خاصة عندما تتدخل خوارزميات المنصات في دفع المحتوى الذي يحظى بمعدلات مرتفعة من التفاعل والمشاركة.
عندما يصنع المزاح تريندًا
ولا تعد ظاهرة «قاع الهامور» الأولى من نوعها في البيئة الرقمية المصرية، إذ شهدت مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الماضية العديد من الأفكار التي بدأت في صورة مزاح، ثم تحولت إلى ظواهر واسعة تجاوزت حدود الفكرة الأصلية.
ومن أبرز هذه الأمثلة ما عرف باسم «باتمان في حلوان»، بعدما بدأ الأمر بمنشور ساخر بين مجموعة من الأصدقاء على «فيسبوك»، ادعى خلاله أحد المستخدمين أنه «باتمان الحقيقي»، قبل أن يرد عليه آخر بالادعاء نفسه، لتتطور الفكرة بشكل هزلي إلى دعوة لتنظيم لقاء يجمع من يدعي أنه باتمان في حلوان لمعرفة «باتمان الحقيقي».
وتحولت الفكرة لاحقًا إلى مجموعة حملت اسم «معركة حلوان باتمان الحقيقي»، مع تحديد موعد للتجمع أمام محطة مترو حلوان في أغسطس 2022، ودعوة المشاركين إلى ارتداء زي باتمان، قبل أن تنتشر الدعوة على نطاق واسع بين المستخدمين.
ولم يكن الانتشار في بدايته مرتبطًا بخطاب سياسي أو دعوة مباشرة للاحتجاج، وإنما اعتمد على فكرة ساخرة جذبت اهتمام الجمهور، ثم ساهم تفاعل بعض الفنانين والمشاهير معها في نقلها إلى المجال العام، قبل أن يتصدر هاشتاج «باتمان حلوان» اهتمام المستخدمين وتزداد عمليات البحث عنه.
هل صليت على النبي اليوم؟
وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي كذلك حملات أخرى أثارت جدلًا واسعًا، من بينها حملة حملت شعار «هل صليت على النبي اليوم؟»، والتي انتشرت بصورة كبيرة على المنصات الرقمية، وارتبطت وفقًا لما تم تداوله آنذاك بعناصر من جماعة الإخوان المسلمين وأعضاء في «التحالف الوطني لدعم الشرعية».
ويستشهد البعض بهذه التجارب للتأكيد على أن الجماعات والتنظيمات السياسية أدركت مبكرًا قوة وسائل التواصل الاجتماعي في الوصول إلى قطاعات واسعة من الجمهور، خاصة من خلال الشعارات البسيطة والمحتوى القابل للمشاركة، والذي قد يصل إلى مستخدمين لا يتفاعلون بالضرورة مع الخطاب السياسي المباشر.
لكن المقارنة بين هذه التجارب وبين أي تريند جديد تحتاج إلى قدر كبير من الحذر، إذ إن وجود سوابق لاستغلال المنصات الرقمية لا يعني تلقائيًا أن كل ظاهرة واسعة الانتشار تقف خلفها جهة سياسية أو تنظيمية.
بين الترفيه وصناعة الرأي العام
وتكشف ظاهرة «قاع الهامور» وغيرها من الترندات المشابهة عن التحول الكبير الذي طرأ على طبيعة المحتوى الرقمي، بعدما أصبحت السخرية لغة مشتركة قادرة على جمع أعداد ضخمة من المستخدمين حول فكرة واحدة خلال وقت قصير.
ولم يعد من الضروري أن تحمل الفكرة مضمونًا سياسيًا مباشرًا حتى تتحول إلى ظاهرة جماهيرية، فقد تبدأ بصورة طريفة أو تعليق ساخر، ثم تتوسع بفعل المشاركة وإعادة النشر والتفاعل، لتصبح في النهاية جزءًا من النقاش العام.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
