عاش القاضى أبوعلى المحسن التنوخى فى القرن العاشر ميلادى، يوم كانت بغداد عاصمة الدنيا، ومسرحاً دائماً للوزراء المعزولين، والتجار المفلسين، والمسجونين ظلماً، والهاربين من السلطان. كان المرء ينام وزيراً، ثم يستيقظ فيجد نفسه فى السجن، إن حالفه الحظ وتركوا له رأسه.
وسط ذلك القلق ألف التنوخى كتابه الشهير «الفرج بعد الشدة». جمع فيه حكايات أناس بلغ بهم الضيق منتهاه، ثم انفتح أمامهم، من حيث لا يحتسبون، باب للنجاة. كأن التنوخى كان يدرك أن المنكوب لا يحتاج دائماً إلى موعظة طويلة؛ يكفيه أحياناً أن يسمع أن إنساناً آخر دخل النفق نفسه ثم خرج منه.
وفى إحدى حكاياته يسقط رجل فى جب عميق، فيجد إلى جانبه أفعى. ولم يكن الوضع يسمح بعقد مؤتمر لبحث الأزمة، ولا بإصدار بيان أعرب فيه عن «قلقه البالغ». فكر الرجل، وجمع الحجارة، واستعان بسيفه حتى تسلق الجب ونجا. وفى حكاية أخرى، عاش الأصمعى فقيراً يسخر بقال الحى من كتبه، ثم اختير لتعليم ابن هارون الرشيد، فأصبح علمه مصدر ثروته. وعاد إلى البقال ليخبره، بطريقته الساخرة، أن الكتب التى لم تكن تساوى عنده جوزة أثمرت كل ما يراه. ثم أحسن إليه بدل أن ينتقم منه؛ فالفرج الحقيقى لا يكتمل إذا خرج الإنسان من المحنة حاملاً فى جيبه ضغينة جديدة.
وبعد نحو ألف عام، ظهر فى أمريكا حكيم غريب الهيئة اسمه دكتور سوس. ولم يكن طبيباً، ولم يكن اسمه سوس؛ لكنه عرف كيف يداوى القلق بالرسوم والقوافى. وفى كتابه «آه، إلى أى الأماكن ستمضى!» يصور رحلة الحياة بما فيها من انتصارات وعثرات، حتى يصل المسافر إلى مكان مرعب سماه «مكان الانتظار». هناك ينتظر الناس القطار، والهاتف، والفرصة، والجواب، وانخفاض الأسعار، وتحسن الإخبار، وربما نهاية العالم كى يرتبوا ما بعده.
وينصح دكتور سوس بطله بألا يطيل الإقامة فى ذلك المكان، بل يختار طريقاً ويمضى. وهنا يلتقى مع التنوخى: كلاهما يرفض أن تكون الشدة خاتمة الحكاية. لكن التنوخى يرى الفرج ثمرة الصبر والعمل والعناية الإلهية وتضامن البشر، بينما يركز سوس على عقل الإنسان وقدميه وقدرته على التحرك.
نحن اليوم محاصرون بإخبار الحروب والصواريخ والخرائط الملونة، حتى صار فتح الهاتف فى الصباح نوعاً من الشجاعة البدنية. وقد تزحف إلينا الكآبة، وهى ضيف ثقيل يدخل بلا موعد ثم يرفض المغادرة.
لذلك نحتاج إلى التنوخى كى يذكرنا بأن للشدة نهاية، وإلى دكتور سوس كى يحذرنا من تحويل الامل إلى كرسى فى غرفة الانتظار، فالفرج لا يأتى دائماً راكباً حصاناً أبيض؛ قد يأتى فى هيئة فكرة، أو يد تمتد إلينا، أو خطوة نجرؤ أخيراً على اتخاذها. وحين يبدو العالم كأنه يتفكك، قد يكون أول خيط للنجاة أن نرفض نحن أن نتفكك معه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض