أمجد مصباح يكتب :
في ذكرى رحيلهما.. القائد المؤسس والزعيم الزاهد
اليوم تحتفل مصر كلها لا الوفديون وحدهم بذكرى رحيل زعيمين خالدين فى تاريخ مصر الحديث
والمعاصر؛ سعد باشا زغلول ومصطفى باشا النحاس، فقد دخلا التاريخ من أوسع أبوابه واستطاعا معاً نقل مصر لمنطقة أخرى.
وعلى أيديهما تحررت مصر من الاستعمار الإنجليزى، ونعمت لأول مرة فى تاريخها بحياة نيابية سليمة وديمقراطية مكتملة.
«سعد» و«النحاس» حالة نادرة فى تاريخ مصر السياسى والنيابى، كانا بحق قدوة فى الصمود والعمل السياسى، ومن خلالهما عرف المصريون مصر الوطنية الحقيقية، والوقوف فى وجه المستعمر ومقاومة الفساد بكل صوره.
عشق المصريون بكل الأجيال «سعد» و«النحاس» وكانا ومازالا المثل الأعلى لكل المصريين، إنهما الزعيمان اللذان أجمع على حبهما ملايين المصريين، نقدم فى ذكرى رحيلهما لمسة وفاء وحب لزعيمى الوفد التاريخيين اللذين سطرا صفحات مضيئة فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر.
سعد زغلول
قاد أعظم ثورات القرن العشرين.. وأجمع الشعب على حبه
استقلَّت مصر على يديه.. و«غاندى» اعتبره أستاذاً وقدوة له

مكانة سعد باشا لدى المصريين
لن أكون مبالغاً إذا قلت إن سعد باشا زغلول هو الزعيم المصرى الوحيد فى التاريخ الحديث الذى أجمع على حبه ملايين المصريين دون استثناء. إنه الفلاح الذى استطاع الوقوف بكل قوة أمام بطش الاحتلال البريطانى عقب الحرب العالمية الأولى والتصدى بكل قوة لتحقيق حلم المصريين فى الاستقلال، بل وقف أمام الملك والعملاء حتى إنه رفض مُلك مصر. حينما توفى سعد يوم 23 أغسطس عام 1927، شعر الشعب المصرى باليتم، رحل أبوالمصريين جميعاً.
حينما تحاول الكتابة عن زعيم الأمة الراحل سعد باشا زغلول الذى يمر اليوم على رحيله 99 عاماً، تشعر بكثير من الحيرة، فلا تكفى مجلدات للحديث عن هذا الزعيم الفذ الفلاح، ابن كفر الشيخ الذى ولد يوم 1 يوليو 1859، وتتلمذ على أيدى السيد جمال الدين الأفغانى والشيخ محمد عبده، لتتكون ملامح شخصيته مع دراسته للقانون وعمله فى النيابة العامة والقضاء وانضمامه إلى الجناح السياسى لمجلة «المنار» التى ضمت أزهريين وسياسيين وأدباء ومصلحين، كما شارك فى تأسيس الجامعة المصرية وأسهم فى تأسيس النادى الأهلى ورئاسته للنادى العريق.
زعيم الثورة المعجزة
لسنا بصدد عرض تفاصيل ثورة 1919 الخالدة، أعظم الثورات فى القرن العشرين فى مصر والعالم. والمعجزة أن هذا الزعيم الفذ الذى أسس حزب الوفد ليصبح أقوى الأحزاب فى مصر فى القرن العشرين وحتى يومنا هذا استطاع أن يجمع ملايين المصريين حوله فى ظل عدم وجود أى وسائل اتصال أو وسائل إعلامية بعد نفيه لجزيرة سيشل 1918، دب الحماس فى نفوس الشعب المصرى وتم جمع التوكيلات فى جميع ربوع مصر تأييداً للزعيم، قاد سعد بعد عودته كل القوى الوطنية لتشتعل الثورة ضد الإنجليز فى كل ربوع البلاد، ولأول مرة تنزل النساء إلى الشوارع كما توحد عنصرا الأمة تحت لواء الوحدة الوطنية.
سعد باشا زغلول صنع المعجزة ونجح لأول مرة فى توحيد كل فئات الشعب المصرى لتتحقق المعجزة وتعترف إنجلترا باستقلال مصر فى فبراير 1922، سعد باشا حقق المستحيل وصنع أكبر إنجاز فى تاريخ مصر الحديث، بعد فشل الثورة العرابية التى انتهت باحتلال مصر عام 1882، وعدم اكتمال حركة الزعيم الشاب مصطفى كامل فى بدايات القرن العشرين.
حزب الوفد بزعامة سعد باشا حقق الديمقراطية الكاملة
كان من الطبيعى عقب نجاح الثورة العظيمة 1919، أن يشعر الشعب المصرى لأول مرة فى تاريخه الحديث بالديمقراطية عقب اكتساح حزب الوفد بزعامة سعد باشا الانتخابات البرلمانية، وتولى سعد باشا رئاسة الوزراء ثم دخل فى صراع مع الملك فؤاد وأحزاب الأقلية، واكتسح الوفد الانتخابات مرة أخرى وتم انتخابه رئيساً لمجلس النواب عام 1927.
سعد باشا قاد ثورة ثقافية فى مصر
يخطئ من يتصور أن إنجازات سعد باشا زغلول كانت سياسية فقط، بل امتدت الإنجازات لمجالات الفن والثقافة والأدب، فمن رحم ثورة 19 ظهر فن الموسيقار خالد الذكر سيد درويش الذى غنى للثورة وسعد باشا ليكون الفنان الأشهر الذى عبر عن ثورة 19 وكفاح المصريين، ومن رحم ثورة 19 ولد مسرح رمسيس عام 1923، برئاسة الفنان الكبير عميد المسرح العربى يوسف بك وهبى، الذى كان بمثابة الجامعة الفنية التى تخرج فيها عمالقة فن التمثيل والمسرح فى مصر فى القرن العشرين.
كان لثورة 19 بزعامة سعد باشا الدور الأساسى فى تهذيب ورقى فن الغناء فى مصر بظهور العملاقين أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، ليصبح للغناء شأن آخر فى مصر. ومن رحم ثورة 19 ظهر عمالقة الأدب والفكر حسن حسين وعباس محمود العقاد والمازنى ومحمد حسنين هيكل. كانت ثورة 19 علامة فارقة فى حياة المصريين سياسياً واقتصادياً وفنياً واجتماعياً وثقافياً.
أقوال خالدة للزعيم سعد زغلول
< لسنا محتاجين إلى كثير من العلم ولكننا محتاجين لكثير من الأخلاق الفاضلة.
< فساد الحكم من فساد المحكومين.
< أنا لا أستخدم نفوذ أى اسم كان للحصول على أى غاية كانت.
< إن اختلاف الرأى لا يفسد للود قضية.
< الرجل بصراحته فى القول، وإخلاصه فى العمل.
< مفيش فايدة، وكان يقصد بها عدم جدوى تناول الدواء فى أيامه الأخيرة، ولم يقصد قط يأسه من إصلاح الأوضاع فى مصر.
شخصية سعد النادرة.. زعيم ملهم فى العالم
كان بحق زعيماً نادراً فى تاريخ مصر، جمع كل صفات القيادة والصلابة، بل غيَّر مفهوم الزعامة فى كل دول العالم، لدرجة أنه أصبح مثالاً للزعامة فى العديد من دول العالم، لدرجة أن الزعيم الهندى «غاندى» كان يعتبر سعد زغلول قدوة له، وأيضاً العديد من الزعماء فى أفريقيا والعالم العربى.
ثورة 19 بزعامة سعد باشا زغلول كانت أم الثورات فى القرن العشرين، وانتشرت حركات التحرر فى العديد من دول العالم، سعد باشا زغلول لم يكن زعيم مصر فحسب بل زعيماً عالمياً بكل المقاييس.
مصطفى النحاس
ألغى معاهدة 1936.. وقاد مصر فى أصعب الظروف
الخليفة الأول لزعامة الوفد.. وأسهم فى تأسيس جامعة الدول العربية

نشأته
ولد فى 15 يونيو عام 1879، وتلقى تعليمه فى كُتَّاب القرية، التحق بمدرسة الحقوق، وتخرج فيها عام 1900، فضل العمل بالمحاماة على العمل فى النيابة، وكانت أول وظيفة لـ«النحاس» العمل فى مكتب المحامى محمد فريد زعيم الحزب الوطنى، ثم عُين قاضياً عام 1903، متنقلاً بين القاهرة وطنطا، وعمل رئيساً لدائرة محكمة طنطا، وحصل على رتبة البكوية.
حينما نتكلم عن زعيم الأمة الخالد مصطفى باشا النحاس، نتحدث عن زعيم تاريخى بكل المقاييس، الرجل الزاهد المتواضع الذى كان عنيداً وصلباً أمام الإنجليز والملك، مواقفه المشهورة لا تعد ولا تحصى، إنه الزعيم الذى خلف سعد باشا زغلول فى زعامة الوفد والأمة المصرية. صاحب القرار التاريخى بإلغاء معاهدة 1936، التى كانت حجر الأساس فى تحرير مصر من الاحتلال الإنجليزى وأحد المشاركين فى تأسيس جامعة الدول العربية.
حياته السياسية
سطر الزعيم الخالد مصطفى النحاس صفحات سياسية مضيئة فى تاريخ مصر الحديث، والمعاصر، اختاره الزعيم خالد الذكر سعد زغلول ضمن أعضاء الوفد السبعة فى 20 نوفمبر 1918، نظراً لدوره السياسى لدى المجموعات السياسية قبل قيام الثورة، ومن فرط إعجاب سعد باشا بشخصية النحاس عيَّنه سكرتيراً عاماً لحزب الوفد، وأصبح الساعد الأيمن لسعد باشا ورافقه إلى لندن، ونُفى مع سعد باشا ومكرم عبيد وآخرين.
كان له دور سياسى كبير ومن الطبيعى أن يتولى رئاسة وزعامة حزب الوفد عقب رحيل سعد باشا فى أغسطس 1927، ليرأس حزب الوفد فى عصره الذهبى (1927-1952).
حدث ولا حرج عن مواقفه السياسية الشجاعة.. فى 5 فبراير 1942 أرسل احتجاجاً إلى السفير البريطانى، استنكر فيه تدخل الإنجليز فى شئون مصر، ورد عليه السفير البريطانى بقوله لى الشرف أن أؤيد وجهة نظركم وأؤكد لكم أن سياسة الحكومة البريطانية قائمة على تحقيق التعاون بإخلاص مع حكومة مصر كدولة مستقلة.
كان هذا اعترافاً رسمياً من بريطانيا باستقلال مصر، كان النحاس باشا رئيس وزراء من فولاذ.
وفى يوم 8 أكتوبر عام 1951، وقف النحاس باشا يشرح تفاصيل الاجتماع مع الجانب البريطانى لتحقيق الجلاء الكامل عن مصر أعلن بكل جرأة: «انقضى وقت الكلام، وجاء وقت العمل يا حضرات الشيوخ والنواب المحترمين، من أجل مصر وقعت معاهدة 1936، ومن أجل مصر أطالب اليوم بإلغائها».
هذا القرار التاريخى بإلغاء المعاهدة زلزل الكيان البريطانى، واشتعل الموقف فى منطقة قناة السويس، وبدأت حركة قوية ضد الاحتلال البريطانى، انفجر الموقف تماماً بقرار الزعيم خالد الذكر فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية بقتال القوات البريطانية فى الإسماعيلية من قبل الشرطة المصرية يوم 25 يناير 1952، كان ضباط وجنود الشرطة أبطالاً بمعنى الكلمة ليصبح هذا اليوم عيداً قومياً للشرطة المصرية.
زعيم من طراز نادر
كان بحق زعيماً نادراً وخالداً فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر، قمة فى الذكاء الحاد والتواضع الشديد، قاد مصر لعدة عقود، وعاشت فى عهده أزهى عصور الديمقراطية وتحقيق الحياة النيابية السليمة التى بدأها سعد باشا زغلول عقب الثورة الخالدة، تعددت مواقفه البطولية أمام الملك والإنجليز وكان له دور تاريخى فى تحقيق الاستقلال لمصر.
كان رجلاً شديد التواضع والصرامة فى الوقت نفسه، وكان يعتز كثيراً بالشخصية المصرية، فى إحدى المناسبات فى أربعينيات القرن الماضى قابل الموسيقار محمد عبدالوهاب الذى كان فى أوج مجده، رفض مصافحته وعنفه بكل قوة قائلاً له: «إيه يا أفندى المياعة اللى إنت بتغنيها لا يصح أن يكون الرجل بهذا الضعف والاستكانة أمام المرأة»، موقف تاريخى تعلم منه «عبدالوهاب» الكثير، وعتاب مصطفى باشا لم يكن سهلاً بالنسبة له.
الزعيم وانقلاب يوليو 1952
عندما قامت حركة الضباط بانقلاب يوليو 1952، كانوا يشعرون بمكانة مصطفى باشا النحاس لدى ملايين المصريين ولأنهم يعلمون قيمة هذا الرجل ولأنهم يريدون القضاء عليه كانوا واهمين، وقرروا اعتقاله بدون أى سبب رغم المعارضة الشديدة للواء محمد نجيب، الذى رفض القرار بشدة، لكن «ناصر» أظهر عداء واضحاً لحزب الوفد ورجاله، وعلى رأسهم مصطفى النحاس وفؤاد سراج الدين.
تعرض الزعيم التاريخى للعزل السياسى، وهذا التصرف الشاذ من قبل رجال يوليو كان خطأً تاريخياً، فقد اعتقل الزعيم عدة مرات وتعرض للظلم والاضطهاد عدة سنوات لكنه بقى خالداً فى وجدان الملايين، «النحاس» كان معشوق المصريين، وزعيماً دخل التاريخ من أوسع أبوابه.
جنازته مظاهرة تاريخية
حينما توفى الزعيم خالد الذكر مصطفى باشا النحاس يوم 23 أغسطس 1965، كانت جنازته بمثابة استفتاء شعبى على مكانة هذا الزعيم فى وجدان ملايين المصريين فى أوج مجد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ملايين المصريين فى جنازة الزعيم، وتطور الأمر لاعتقال عدد كبير ممن شاركوا فى هذه الجنازة التاريخية بتهمة حب وعشق مصطفى النحاس.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض