بلغ الجهد بالنبى أثناء هجرته مبلغاً شديداً وعند مروره بوادى قديد رأى خيمة شاردة تسكن فيها عجوز كريم تطعم وتسقى من يمر بها تدعى عاتكة الخزاعية وكنيتها أم معبد فسألها بتلطف شراء لحماً وتمراً لمرافقيه ابى بكر ومولاه عامر بن فهيرة والليثى بن أريقط دليل الطريق فلم يصيبوا عندها شيئاً سوى شاه عجفاء خلفها الهزال عن باقى الغنم وكان القوم مرملين مسنتين فلما وضع يده الشريفة حلّت البركة وامتلأ ضرعها لبناً سائغاً للشاربين فشربوا حتى ارتووا وبقى أكثر مما شرب، فلما رجع أبومعبد استغرب فأخبرته خبر تلك المعجزة فقال لها «صفيه لى يا أم معبد»، فرسمت تحفة فنية بلسان عربى مبين وبدقة بلاغية متناهية صورته. رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة وسيم قسيم فى عينيه دعج وفى أشفاره وطف وفى صوته صحل وفى عنقه سطع وفى لحيته كثافة أزج أقرن إن صمت فعليه الوقار وأن تكلم سماه وعلاه البهاء أجمل الناس من بعيد، وأحسنهم من قريب، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ربع لا يأس من طول ولا تقتحمه عين عن قصر غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظراً وأحسنهم قدراً له رفقاء يحفون به إن قال أنصتوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود لا عابس ولا مفند «فقال أبومعبد والله إنه لصاحب قريش ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً»
المثير ألا يوجد فى السنة الصحيحة سوى حديثين فقط فى وصف صفة النبى، أما الحديث الثانى فهو لسيدنا هند بن أبى هالة ربيب النبى من زوجته خديجة، ففى لحظة من لحظات الشوق استبدت بسيدنا الحسن بن على طلب من خاله ان يذكره بشمائل جده وقد اشتهر هنداً بأنه وصاف بليغ يتمتع بحس أدبى رفيع فوصف الجناب النبوى كأنك تراه ولتيسير المعانى استشرح بتصرف قدر المستطاع «كان سيد الخلق فخماً مفخماً يتلألأ وجهه المستدير تلألؤ بدر التمام بشرته زهرية اللون بيضاء مشربة بحمرة واسع الجبين له عينان جميلتين شديدتا السواد حمراء البياض وحاجبان مقوسان لا يلتقيان، بينهما عرق يعلوه الوقار، وأنف مستقيم تحيطه الأنوار، هيئة عنقه كانّها تمثال زجاجى فى صفاء الفضة، لحيتة متناسقة،سهل الوجنتين، أسنانه بيضاء متفرقة قليلاً تضفى على ابتسامته إشراقاً، شعره انسيابى يفرقه من المنتصف ينسدل برفق حتى يلامس أذنيه يعتنى به دون تكلف، زكى الرائحة عرقه حبات من المسك والعنبر، كفّه الين من الحرير والديباج، معتدل القامة رشيقاً أنيقاً قوى البنية عريض المنكبين على كتفيه علامة بارزة هى خاتم النبوة مشيته بها عزم ووقار كأن الأرض فرشت تحت قدميه يذهب بالسكينة دون إسراع أهوج ولا إبطاء يدل على كسل، دمثاً يبادر بالسلام على خلق عظيم ليس بالجافى ولا المهين يحبّ ويوقر اصحابه لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، يغضب فقط اذا انتهكت حدود الله، صامتاً متأملاً كلامه ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل متواصل الأحزان منهمر العبرة خاشعا ينظر إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، ممتن لنعم الله التى لا تحصى وإن دقت ولا يذم طعاماً أو يقدح شراباً، إذا فرح غضّ طرفه من عظم حيائه وجل ضحكه الابتسام».
هذا الوصف يستحضره العاشقون فتسكن نفوسهم وتطمئن قلوبهم ولم لا فقد تعجب أصحابه من تاثير جماله الفريد، فأنشد حسان بن ثابت أبياتاً رائعة
وأجمل منك لم تر قط عينى.. وأكمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عيب.. كأنك قد خلقت كما تشاء
جمال سيدنا مزين بحميد الخصال مغطى برداء الجلال سبباً كافياً لرسوخ الايمان فى قلب كل من يراه،فإذا كان أبولهب الذى هجاه القرآن بسورة كاملة قد انتفع بمولده بتخفيف العذاب بسبب عتقه جاريته ثويبة التى بشّرته به فكيف بالمؤمن المحب؟ لقد عجزت الكلمات عن وصف غلاظة القاسية قلوبهم المنكرة لشرعية الاحتفال بخير الأنام بحجج واهية أبرزها كالعادة عدم احتفال السلف بل والتمادى فى الغلو باعتباره بدعة مذمومة يجب التصدى لها، إلا يكفى أولئك المتنطعين أن الله عزّ وجل أقسم بحياته «ولعمرك إنهم لفى فى سكرتهم يعمهون» وفى موضع آخر «قل بفضل الله ورحمته فبذلك فليفرحوا»، وإقرار النبى بنفسه لنفسه صيام يوم الاثنين أسبوعياً احتفالاً بمولده الشريف «ذاك يوم ولدت فيه».
يقيناً الاحتفال بمولد سيدنا علامة من علامات القبول والسعادة فى الدارين اللهم منّ على المشتاقين رؤيته يقظة ومناماً وصل وسلم وبارك على الجمال المحقق والكمال المطلق وعلى آله وصحبه وسلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض