رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الراوى

 

«ليست كل الحكايات للتسلية.. بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه».

لم تعد موجات الحر الشديدة مجرد حكاية عابرة أو ظاهرة موسمية نتحملها ثم نعبرها بانتظار اعتدال الطقس؛ فحين ترتفع درجات الحرارة بصورة غير معتادة، وتتكرر موجات الحر لفترات أطول، فإن الأمر يتجاوز تأثيره على الإنسان إلى منظومة كاملة تمس أحد أهم مقومات الحياة؛ إنه الغذاء.

الزراعة بطبيعتها شديدة الحساسية للمناخ؛ فالنبات يحتاج إلى درجات حرارة ملائمة، ومياه متاحة، وتوقيتات دقيقة للزراعة والإزهار والنضج. وعندما تختل هذه المعادلة بسبب ارتفاع الحرارة أو اضطراب معدلات سقوط الأمطار، تتراجع قدرة المحاصيل على النمو والإنتاج، وقد تتعرض بعض الزراعات لخسائر كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة.

وتزداد خطورة موجات الحر عندما تتزامن مع نقص المياه؛ فارتفاع درجات الحرارة يؤدى إلى زيادة معدلات التبخر، بينما تحتاج النباتات إلى كميات أكبر من المياه لتعويض الإجهاد الحرارى. وهنا تظهر معادلة صعبة: طلب متزايد على المياه فى الوقت الذى تصبح فيه الموارد المائية أكثر تعرضًا للضغط.

ولا تتوقف التداعيات عند حجم الإنتاج؛ فالحرارة المرتفعة قد تؤثر كذلك فى جودة المحاصيل، وتزيد من قابلية بعض النباتات للإصابة بالآفات والأمراض، كما يمكن أن تؤثر فى دورات حياة الحشرات والآفات الزراعية، فتظهر فى توقيتات أو مناطق لم تكن معتادة عليها.

أما الثروة الحيوانية والدواجن، فهى الأخرى ليست بعيدة عن تأثيرات التغير المناخي؛ فالإجهاد الحرارى قد يؤدى إلى انخفاض معدلات النمو والإنتاج، ويؤثر فى استهلاك الحيوانات للأعلاف والمياه، بما ينعكس فى النهاية على تكلفة الإنتاج وأسعار المنتجات الغذائية.

وهنا نصل إلى الحلقة الأكثر حساسية: الأمن الغذائى.

فانخفاض الإنتاج المحلى لا يعنى فقط نقص محصول بعينه؛ وإنما قد يؤدى إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد. ومع ارتفاع أسعار الطاقة والنقل عالميًا، تصبح تكلفة الغذاء أكثر تعرضًا للتقلبات. وإذا تزامنت موجات الحر مع أزمات مناخية فى أكثر من منطقة منتجة حول العالم، فإن الأسواق الدولية نفسها قد تواجه ضغوطًا متزامنة، وهو ما يجعل الأمن الغذائى قضية استراتيجية تتجاوز حدود القطاع الزراعى.

لكن مواجهة هذه التحديات لا تعنى الاستسلام للمناخ؛ وإنما تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء القدرة على التكيف. ومن أهم المسارات فى ذلك: تطوير أصناف نباتية أكثر تحملًا للحرارة والجفاف، وتحسين نظم الرى ورفع كفاءتها، والتوسع فى الزراعة الذكية مناخيًا، واستخدام تقنيات الاستشعار والذكاء الاصطناعى لمراقبة المحاصيل والتنبؤ باحتياجاتها، إلى جانب تحسين نظم الإنذار المبكر للظواهر الجوية المتطرفة.

كما أن حماية الأمن الغذائى تبدأ من التعامل مع المياه بوصفها موردًا استراتيجيًا، ومن تقليل الفاقد والهدر فى مراحل الإنتاج والتخزين والنقل والاستهلاك. فكل محصول نهدره هو فى الحقيقة مياه وأرض وطاقة وجهد ضائع.

وربما تكون الرسالة الأهم أن التغير المناخى لم يعد قضية تخص علماء المناخ وحدهم؛ إنه قضية تخص الفلاح، والمستهلك، والاقتصاد، والأسواق، وصانع القرار، وكل بيت يفتح ثلاجته بحثًا عن غذاء آمن وبسعر مناسب.

فالحرارة التى نشعر بها اليوم ليست مجرد ارتفاع فى أرقام ميزان الحرارة؛ إنها إنذار مبكر بأن المعركة القادمة قد تكون على ما هو أبعد من الظل والهواء البارد.. قد تكون على قدرة الإنسان على إنتاج غذائه وحماية مستقبله.

أستاذ الإعلام بكلية الآداب – جامعة المنصورة

[email protected]