بدا من الواضح جليا خطورة المشروع الإسرائيلى فى المنطقة والذى تقوده واحدة من أكثر الحكومات تطرفا فى تاريخ إسرائيل. والهدف كما أعلنت صقور تلك الحكومة بوضوح تام أنه لن يكون هناك دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967. ورغم ذلك؛ نتنياهو قد يذهب أو يبقى، والائتلاف قد لا يحصل على الأغلبية المطلوبة الممثلة فى 61 مقعدا فى الكنيست ليستمر فى الحكم، لكن الخطر الحقيقى هو تحول بعض أفكار اليمين الإسرائيلى من أيديولوجيا هامشية إلى سياسة دولة ووقائع جغرافية دائمة. فالأخطر فى التطورات والممارسات الإسرائيلية الأخيرة أنها لم تعد تسمح بالتعامل مع المشروع الإسرائيلى باعتباره مجرد خلاف على حدود أو ترتيبات أمنية مؤقتة؛ فالممارسات الإسرائيلية على الأرض تكشف بصورة متزايدة عن مشروع لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية نفسها بما يجعل قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أمراً بالغ الصعوبة. فالسلام لا يُبنى فوق خرائط يجرى تمزيقها يومياً.
ويأتى مشروع E1 «الاستيطانى» فى قلب هذه الرؤية؛ لأن القضية هنا ليست مجرد إضافة وحدات استيطانية جديدة، وإنما موقع استراتيجى بالغ الحساسية بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، بما يهدد بتقطيع التواصل الجغرافى بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وتحويل الأراضى الفلسطينية إلى جيوب منفصلة.
ولذلك فإن خطورة (E1) تتمثل فى إعادة هندسة الخريطة بما يخدم رؤية إسرائيلية طويلة المدى. خاصة وأن هذه التطورات تأتى فى سياق سياسى تتزايد فيه داخل إسرائيل الأصوات التى لا تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها أرضاً محتلة ينبغى أن تكون جزءاً من تسوية، وإنما باعتبارها جزءاً من المجال الذى ترى التيارات القومية والدينية المتشددة أن لإسرائيل حقاً تاريخياً ودينياً فيه. وهنا يظهر مفهوم «إسرائيل الكبرى» بوصفه تصوراً أيديولوجياً يتجاوز حدود إسرائيل المعترف بها دولياً إلى السيطرة على مساحات أوسع من الأراضى الفلسطينية.
ومن هنا يصبح الحديث عن وهم «إسرائيل الكبرى» بحاجة إلى تركيز وعدم اهمال أو تقليل وتبسيط من شأنه كمخطط توسعى. فليس بالضرورة أن يكون هناك مخطط واحد معلن وموحد يحمل هذا الاسم وتنفذه كل مؤسسات الدولة الإسرائيلية بالطريقة نفسها، لكن وجود تيارات قوية داخل اليمين الإسرائيلى تتبنى رؤى توسعية وترفض قيام دولة فلسطينية، وتدفع باتجاه الاستيطان والضم والسيطرة الدائمة على أجزاء واسعة من الضفة، يجعل الحديث عن نزعة توسعية تتجاوز حدود إسرائيل المعترف بها دولياً أمراً لا يمكن تجاهله. وهنا تتضح العلاقة بين غزة والضفة. لأنه إذا كانت إسرائيل تريد فى غزة نزع السلاح مع الاحتفاظ بوجود عسكرى طويل الأمد، وفى الضفة توسيع الاستيطان وقطع التواصل الجغرافى، فإن النتيجة النهائية قد تكون إنتاج كيان فلسطينى منزوع السيادة ومجزأ جغرافياً، وليس دولة فلسطينية بالمعنى المتعارف عليه فى القانون والسياسة الدولية. ونفس وذات النهج فى سوريا، وجنوب لبنان، الهدف واحد، حتى وإن اختلفت التفاصيل والأدوات.
هنا نعود إلى تفكيك الدكتور جمال حمدان للسياسة الاستعمارية الإسرائيلية ينطلق من رؤية جيوسياسية مبكرة كشفت حقيقة المشروع الصهيونى باعتباره ظاهرة جغرافية واستعمارية تصادم طبيعة المنطقة وحقائق التاريخ. حيث كشف فى أطروحاته الجيوسياسية الخالدة أن الكيان الصهيونى يعتمد بالأساس على فلسفة «الدولة ضد الجغرافيا»، ويتغذى على التمدد الاقتطاعى المتدرج لتعويض افتقاره للامتداد الطبيعى والتجانس مع المحيط العربى. لذلك؛ مواجهة هذا الخطر تتطلب الكف عن التعاطى مع التحركات الإسرائيلية بوصفها ردود أفعال مرحلية، والبدء فى التعامل معها باعتبارها استراتيجية توسعية جارية الممارسة، تُعيد صياغة خريطة الشرق الأوسط على حساب حقوق الشعوب وسيادتها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض