أعلنت محافظة قنا خبرًا هو الأهم ـــ في رأيي ـــ منذ بدء العام 2026، وهو بدء تطبيق دليل الهوية البصرية، الذي عكف عليه طيلة شهور مضت نخبة من الخبراء المتخصصين في التخطيط العمراني بجامعة عين شمس، وفق بروتكول تعاون مع محافظة قنا.
هذه الأهمية غير ملموسة في الوقت الحالي؛ والدليل أن الخبر نفسه لم يسترعِ انتباه العامة والخاصة من سكان الإقليم، في حين أن هذا المشروع ــ إذا نُفذ بتوصياته ــ سيحدث تغييرًا جذريًا في اتجاهات السكان وحيواتهم في المستقبل.
يُؤسس مشروع الهوية البصرية لمحافظة قنا، في مجمله، إلى الارتقاء بالذوق العام بشكل عام في الإقليم الذي عانى في العقود الأخيرة من الجمود الثقافي وتغييب هويته.
أذكر أن الدكتور أبو الفضل بدران، رئيس المجلس الأعلى للثقافة الأسبق، قد أحاطنا علمًا بجزء من هذا التغييب في مقالات له، عندما تحدث عن أسماء الميادين في مدينة قنا، وعدم تضمين هوية الإقليم ورموزه فيها، متندرًا على الأسماء الحالية كميدان الدولفين!
والحقيقة أن فكرة تغييب هوية الإقليم لا يجب أن تكون مدعاة للتباكي؛ لأن منابع الهوية باقية، وهو ما يعني أننا نستطيع إحياءها بشرط تضافر الجهود والمشاركة المجتمعية.
من المُبشر أن دليل الهوية البصرية لمحافظة قنا قد يعمل بشكل مباشر وغير مباشر على إحياء هوية الإقليم الذي نعيش فيه، متزامنًا مع مشروعات أخرى في ذات السياق، ومنها إعادة اكتشاف الأصول الحضارية في المدن والقرى، كذلك قرار المجلس التنفيذي للمحافظة إعادة تسمية الشوارع والميادين وتنقية الأسماء الحالية.
طالعت بعض أوراق هذا الدليل، ووجدت أن مجهودًا كبيرًا قد بُذل في إعداده، فقد عكف الأساتذة على تحليل ودراسة الجغرافيا والتاريخ والتراث والآثار والمناخ في الإقليم، وانتهوا إلى أكواد وأنماط وطرز للريف والحضر في العمارة والميادين والطرق والمواقع الأثرية وغيرها، ستشكل مستقبلًا وضعية مميزة للإقليم تعبر عن تاريخه وجغرافيته وتراثه، وبشكل عام عن هويته.
وأخشى أن يواجه تطبيق هذا الدليل بعض العقبات، وأقصد بذلك الانتقال من النظرية إلى التطبيق على أرض الواقع؛ لذلك من المهم التعاون بين المسؤولين والسكان في تطبيق الدليل من جهة، والسعي نحو إتمام النماذج التجريبية للدليل وطرحها أمام الجمهور من جهة أخرى. وهنا يأتي دور إدارة الإقليم، ممثلةً في اللواء مصطفى الببلاوي، الذي يتبنى منهجًا إصلاحيًا في إدارته، وكذلك الدكتور محمد فهمي، أستاذ العمارة في الكلية الفنية العسكرية ومستشار المحافظ للتنمية الحضرية، والأخير مُثقل بالخبرات في تخصصه، وسبق له إدارة عدة مشروعات من هذا النوع في القاهرة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض