حين تصبح العمارة ذاكرة للمكان.. مشروع نوران داود يعيد اكتشاف تراث «الزبالين»
في منشية ناصر، حيث تتشابك الجبال مع البيوت، وتتقاطع تفاصيل الحياة اليومية مع واحدة من أكثر منظومات إعادة التدوير تعقيدًا في القاهرة: “الزبالة”.
لا يكمن المعنى في إعادة تدوير “الزبالة” كونها عملية صناعية تنتهي عند تحويلها إلى هيئة أخرى، فخلف هذه الدورة الممتدة من الجمع والفرز وإعادة التصنيع، تقبع حكاية مجتمع راكم عبر أجيال معرفة خاصة، وحوّل العمل اليومي إلى حرفة، والحرفة إلى تراث من نوع خاص يستحق أن يُعاد اكتشافه.

أجادت نوران حسين داود، خريجة قسم الهندسة المعمارية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، تصميم مشروع معماري يمنح تراث “الزبالين" والعمل بجمع ”الزبالة" زواية جديدة للبقاء عبر مزجه بالبيئة كجزء أصيل من نسيجها، في مشروع لا يكتفي بأن يضع “الزبالة” على تروس الماكينات بل يفتح أبوابه أمام الزوار ويحول هذا العمل إلى تجربة يعيش الزائر تفاصيلها ويتفاعل معها.
جاءت البداية مع مفهوم «Junkspace»، ذلك المصطلح الذي يصف الفراغات التي فقدت روحها تحت وطأة التوسع التجاري والعولمة والتحضر المتسارع.
وفي مقابل هذه المساحات التي قد تبدو مكتملة من الناحية المادية، لكنها تفتقر إلى الإحساس بالمكان، كانت الفكرة المعمارية بحثًا عن نموذج آخر؛ عمارة لا تكتفي بصناعة الفراغ، وإنما تمنحه روحًا، وتنسج داخله علاقة بين الإنسان والمكان والمجتمع.

وفي منشية ناصر، وجد المشروع واحدة من أكثر صور تراث المخلفات وضوحًا في منظومة إعادة التدوير التي تشكل جزءًا من الحياة اليومية في حي «الزبالين»، فهناك، تعمل شبكة واسعة من الأشخاص والأنشطة الاقتصادية في صمت على استعادة قيمة كميات هائلة من المخلفات، وفرزها وإعادة تدويرها وتحويلها إلى مواد ومنتجات جديدة.
بينما يظل هذا العالم بعيدًا عن طابع القاهرة المهندمة، يزيح مشروع نوران الستار عنه ويمنح الزائر فرصة الاقتراب منه وملامسته والمشاركة في الرحلة التي تخوضها المخلفات عبر مصنع يحاكي عمليات إعادة تدوير البلاستيك والكرتون والمعادن الموجودة بالفعل في منشية ناصر.
وإلى جواره تمتد ورش تفاعلية، تتحول فيها المواد المهملة إلى أدوات للتعلم والإبداع، يشارك الزائر في صناعة خامات بسيطة منها، ويمد أهالي المنطقة من ذوى الخبرة يد العون لهم.
مشروع يمتزج بإيقاع الحياة في شوارع منشية ناصر
ويمتزج مشروع نوران بإيقاع الحياة في شوارع منشية ناصر ليتحول إلى تجربة اجتماعية متكاملة فبجانب موقع التصنيع توجد ساحات خاصة للعب تجتمع فيها العائلات والأصدقاء، وتتشارك فيها الأيدي لصناعة قطع صغيرة من مادة كان لمصيرها أن تؤول للنفايات.

وحول ساحات اللعب تتشكل منطقة مركزية نابضة بالحركة، تتقاطع فيها مسارات الناس والعمل ويظل مبنى المصنع نفسه ممتزجًا بالمشهد يندمج داخل الجبل في موقع يطل على منشية ناصر، في تصميم يمثل حقلة وصل بين أعلى الجبل والحي الذي يسكن سفحه.
ويوفر المشروع روافد خدمية تربط مستوى المصنع بمنشية ناصر عبر مسارات من الطوب الأحمر والحجر، وقع عليهما اختيار نوران كعناصر جمالية لا تنفصل عن المكان، فالطوب يتآلف مع المشهد العمراني للمكان، بينما يستمد الحجر حضوره من الجبل نفسه، وبين الاثنين ينشأ حوار بصري بين التكوين الطبيعي والنسيج العمراني.

وتزداد ملامح الحوار بين الطوب والحجر وضوحًا في الكتل الحجرية التي تستوحي بعض صفات الجبل؛ انكساراته، وعدم انتظامه، والأسقف والحوائط المائلة التي تمنح التكوين قدرًا من العفوية، دون أن يذهب التصميم إلى تقليد الطبيعة بصورة حرفية، بل يكتفي باستلهام منطقها، فيظل المبنى وكأنه يتحاور مع الجبل ولا ينافسه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض