الهيليوم «غاز السعادة» قنبلة تنتظر الانفجار
من مشهد البالونات الملونة فى أعياد الميلاد والاحتفالات إلى كارثة داخل مول أرابيلا بلازا بمنطقة التجمع، الذى شهد انفجار إسطوانة هيليوم داخل أحد محلات الهدايا وأسفر عن سقوط ٣ متوفين وإصابة ١٥ آخرين، هكذا تحول غاز الهيليوم الخامل إلى قنبلة قاتلة فى ثوان معدودة، وتحول غاز السعادة والبهجة إلى سبب للحزن والتدمير.
فإسطوانة الهيليوم التى تبدو فى نظر كثيرين مجرد وسيلة لنفخ البالونات فى الاحتفالات وأعياد ميلاد، كشفت عن وجه آخر أكثر خطورة إذا تحتاج هذه الإسطوانات إلى شروط دقيقة فى النقل والتخزين والاستخدام، حتى لا تتحول من وسيلة للبهجة إلى مصدر خطر إذا أسيء التعامل معها،
حادث أرابيلا بلازا ليس الأول من نوعه، ففى مارس الماضى شهد موريا مول بمدينة دمياط الجديدة حادثا مشابهًا إثر انفجار إسطوانة هيليوم داخل أحد المحال، وأسفر عن سقوط ضحايا ومصابين، ليأتى الحادث الجديد ليكون بمثابة جرس إنذار، ويفتح باب التساؤلات حول مدى أمان استخدام وتخزين هذه الأسطوانات داخل المحال والمولات وتأثير درجات الحرارة المرتفعة عليها، ومخاطر تعرضها للصدمات أو سوء الاستخدام.
وتعليقا على ذلك أوضح المهندس هشام على، عضو لجنة الهندسة البيئية والسلامة والصحة المهنية بالنقابة العامة للمهندسين، أن غاز الهيليوم غاز خامل غير قابل للاشتعال وأن الخلط بينه وبين غازات أخرى قابلة للاشتعال مثل الهيدروجين أو البروبان قد يؤدى إلى فهم خاطئ لطبيعة الخطر.

وأشار إلى أن الخطورة الأساسية تنتج عما يحدث للإسطوانة التى تحتوى على الغاز المضغوط، موضحا أن زيادة الضغط داخل الإسطوانة، مع وجود ضعف أو تلف فى المعدن، قد يؤدى إلى انفجار فيزيائى عنيف تتطاير خلاله شظايا معدنية، كما أن الانفجار قد يتسبب فى إشعال مواد قابلة للاشتعال موجودة بالقرب منه أو نشوب حريق نتيجة ماس كهربائى.
وأكد أن هناك عدد من الأخطاء التى يمكن أن تزيد من خطورة إسطوانات الهيليوم، من بينها تعبئتها بما يتجاوز الحد المسموح، أو استخدام أسطوانة انتهت فترة فحصها الدورى أو تعرضت للصدأ والتآكل، وأن تعرض الإسطوانة لدرجات حرارة مرتفعة أو لمصدر حرارة مباشر إلى جانب سقوطها أو تعرضها لصدمات قوية قد يؤثر على سلامتها، كما حذر من العبث بصمام الأمان أو استخدام توصيلات ومنظمات ضغط غير متوافقة مع نوع الأسطوانة
ولفت إلى أن طريقة التخزين نفسها تمثل عامل مهم فى السلامة مشيرًا إلى ضرورة وضع الإسطوانات فى أماكن مخصصة بعيدا عن مصادر الحرارة وتثبيتها فى وضع رأسى لمنع سقوطها مع توفير تهوية جيدة وعدم وضعها فى أماكن مغلقة أو مزدحمة بالعملاء.
اشتراطات السلامة
وأشار المهندس هشام إلى أن تخزين إسطوانات الهيليوم داخل محلات الهدايا والبالونات يجب أن يخضع لاشتراطات السلامة الخاصة بتداول وتخزين الغازات المضغوطة، مشددًا على أهمية وجود منطقة تخزين مناسبة بعيدًا عن مصادر الحرارة والازدحام، وأن عملية نقل الإسطوانات تحتاج أيضًا إلى احتياطات، من بينها تأمينها لمنع الحركة أو الاصطدام، وعدم تركها داخل سيارة مغلقة ومعرضة لأشعة الشمس، فضلًا عن حماية الصمام أثناء النقل
وشدد المهندس هشام على أن تحديد السبب الحقيقى لأى حادث يتطلب فحصًا فنيًا للإسطوانة والصمام، إلى جانب دراسة ظروف التخزين والاستخدام وقت وقوع الحادث، موضحا أن الجهة المسئولة عن التفتيش والرقابة على إسطوانات الهيليوم داخل المنشآت والمحلات فى مصر تتوزع بين أكثر من جهة بحسب طبيعة المخالفة ونوع النشاط، وأن الحماية المدنية، التابعة لوزارة الداخلية، تضطلع بدور أساسى فى اشتراطات السلامة والحماية المسئولة عن تراخيص السلامة واشتراطات تخزين وتداول الغازات فى المنشآت التجارية.
وأضاف أن مكاتب السلامة والصحة المهنية التابعة لوزارة العمل لها صلاحيات فى التفتيش على المنشآت والتأكد من تطبيق اشتراطات السلامة والصحة المهنية، ومن بينها المخاطر المرتبطة بالإسطوانات والأنابيب المضغوطة داخل أماكن العمل، كما الرقابة الصناعية تدخل كذلك فى نطاق المسئولية بحسب طبيعة النشاط، إلى جانب الجهات المختصة بفحص الأسطوانات والتأكد من مطابقتها للمواصفات والمعايير الفنية المعتمدة، وفقًا لاختصاص كل جهة، وأن الوحدات المحلية والأحياء تختص من جانبها بتراخيص النشاط التجارى، وما يرتبط بممارسة النشاط داخل المحل أو المنشأة.
وأكد أن التحدى الحقيقى يكمن فى تعدد الجهات المسئولة، موضحًا أن الملف لا يقع بالكامل تحت مسئولية جهة واحدة، وهو ما يجعل التنسيق بين الجهات المختلفة عنصر أساسى لضمان إحكام الرقابة ومنع وجود ثغرات فى التفتيش على المنشآت التى تتعامل مع إسطوانات الغازات المضغوطة.
الحذر
وفى هذا السياق قال المهندس محمد السيد شتلة، خبير بالمعهد العربى لعلوم السلامة، إن التعامل مع إسطوانات الغاز يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، لأنها تحتوى على غاز مضغوط تحت ضغط مرتفع، ما يجعل الخطر الأساسى مرتبطا بالطاقة الميكانيكية داخل الأسطوانة، موضحًا أن سقوط الإسطوانة وانكسار الصمام العلوى قد يحولها إلى مقذوف شديد الخطورة يشبه الصاروخ، وتكون لديه قوة كبيرة نتيجة اندفاع الغاز المضغوط.

وأشار إلى أن إسطوانات الهيليوم تخزن عادة تحت ضغوط تتراوح بين 150 و200 بار، أى ما يعادل نحو 2000 إلى 3000 رطل لكل بوصة مربعة «PSI»، وهو ضغط يعادل تقريبًا 60 إلى 80 ضعف ضغط إطار السيارة العادى. وأضاف أن الغاز داخل الإسطوانة يخزن طاقة ميكانيكية كبيرة، نتيجة وجوده تحت هذا الضغط وطالما أن جسم الإسطوانة والصمام قادران على تحمل الضغط تظل هذه الطاقة محبوسة، لكن حدوث ضعف فى جسم الإسطوانة أو الصمام قد يؤدى إلى خروج الغاز بصورة مفاجئة وعنيفة.
وأوضح أن ارتفاع درجة الحرارة من العوامل التى تؤثر على ضغط الغاز، وفقًا للعلاقة بين الضغط ودرجة الحرارة، فكلما ارتفعت درجة الحرارة ارتفع الضغط الداخلى للإسطوانة، ولذلك يجب عدم تعريضها لأشعة الشمس المباشرة أو وضعها بالقرب من المدافئ والأفران ومصادر الحرارة. ولفت إلى أن الأسطوانات مزودة بأنظمة لتخفيف الضغط فى الحالات الطارئة، مثل قرص التنفيس والذى يسمح بخروج الغاز عند وصول الضغط إلى مستويات خطرة، محذرا من العبث بهذه الأنظمة أو تلفها أو انسدادها، لأن ذلك قد يزيد من خطورة ارتفاع الضغط داخل الإسطوانة.
وتابع أن الخطر الأكبر يرتبط بالصمام، لأنه يمثل نقطة حساسة فى الأسطوانة، وفى حالة انكساره يمكن أن يندفع الغاز المضغوط، الذى قد يصل ضغطه إلى 200 بار، من فتحة صغيرة خلال فترة زمنية قصيرة، ما قد يؤدى إلى اندفاع الأسطوانة بقوة كبيرة، وقد تصل سرعتها إلى أكثر من 100 كيلومتر فى الساعة، بحسب ظروف الحادث.
وأشار إلى أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية قد تؤدى إلى وقوع الحوادث، أولها وجود خلل فى الصمام أو صمام الأمان، وثانيها زيادة تعبئة الإسطوانة بالغاز إلى ضغوط تتجاوز حدود التصميم المسموح بها، وثالثها سوء التخزين، موضحا أن سوء التخزين يشمل وضع الإسطوانة على أسطح رطبة لفترات طويلة بما قد يؤدى إلى تآكل الجزء السفلى منها، أو عدم تركيب واقى الصمام، أو تخزينها بالقرب من مصادر الحرارة أو الكهرباء.
وحذر من خطورة تسرب الهيليوم داخل الأماكن المغلقة، موضحًا أن الغاز عديم اللون والرائحة، ويمكن أن يؤدى إلى إزاحة الأكسجين من المكان، ما يسبب نقصه ومن ثم الاختناق، بالإضافة لإمكانية حدوث دوار وفقدان للوعى بصورة مفاجئة، ثم الوفاة إذا استمر نقص الأكسجين ولم يتم التدخل سريعًا، وأكد أن خطورة الإسطوانات تتضاعف داخل المحلات والأماكن العامة، بسبب وجود عدد كبير من الأشخاص فى مساحات محدودة، موضحًا أن أى حادث يتعلق بإسطوانة مضغوطة داخل مكان مغلق قد يؤدى إلى إصابات خطيرة، فضلًا عن احتمالية تطاير الزجاج أو الأجزاء المحيطة بالمكان نتيجة قوة الحادث.
وأوضح أن هناك بدائل أكثر أمانًا فى أعمال الديكور والاحتفالات، من بينها استخدام المنفاخ الكهربائى لنفخ البالونات بالهواء العادى، مع تثبيتها على هياكل وأقواس ديكورية، مشيرًا إلى أن هذا الأسلوب يقلل المخاطر ويوفر كذلك فى التكلفة. وأضاف أن هناك إسطوانات هيليوم استهلاكية صغيرة مخصصة للاستخدام لمرة واحدة، تتراوح سعتها فى بعض الأنواع بين 0.25 و0.5 متر مكعب، وتعمل بضغط منخفض يتراوح بين 18 و25 بار، وتكون مصممة بحيث لا يعاد تعبئتها بصورة عشوائية
وأشار كذلك إلى وجود إسطوانات مخصصة للاستخدام التجارى تحتوى على صمامات مدمجة تضم منظم ضغط ووسيلة حماية للصمام، بما يقلل من احتمالات تعرضه للكسر عند سقوط الأسطوانة. وحذر بشدة من لجوء بعض المحلات إلى استخدام غاز الهيدروجين بدلًا من الهيليوم لتعويم البالونات باعتباره خيارًا أقل تكلفة، مؤكدًا أن الهيدروجين غاز شديد الاشتعال والانفجار، واستخدامه داخل المناسبات والأماكن العامة يمثل خطرًا كبيرًا على حياة المواطنين.
وشدد على ضرورة تثبيت أسطوانات الهيليوم باستخدام سلسلة أو وسيلة تثبيت قوية مرتبطة بجدار ثابت، مع توفير تهوية جيدة فى أماكن التخزين والاستخدام، وعدم إزالة واقى الصمام إلا عند الحاجة، إلى جانب الالتزام بالفحص الدورى للإسطوانة ومراجعة تاريخ اختبار الضغط الهيدروستاتيكى المدون عليها، والذى يتم وفق الفترات المحددة للمواصفات واللوائح المنظمة لاستخدام الأسطوانات.
تراخيص الحماية المدنية

من جانبها أكدت داليا نعمان، المحامية، أن تخزين واستخدام إسطوانات الغازات المضغوطة ومنها إسطوانات الهيليوم، داخل المنشآت التجارية والمحال العامة يتطلب الالتزام باشتراطات تراخيص الحماية المدنية وموافقات السلامة والصحة المهنية نظرا لما تمثله هذه الإسطوانات من خطورة بسبب الضغط العالى بداخلها وليس فقط لكون بعض الغازات قابلة للاشتعال.
وأوضحت أن الجهة المختصة فى هذا الشأن هى إدارة الحماية المدنية مشددة على ضرورة إجراء التفتيش الدورى للتأكد من سلامة الإسطوانات، وصيانة صمامات الأمان، ومراجعة ضغط الغاز، بما يضمن عدم تحول أى خلل فنى إلى خطر على العاملين أو المترددين على المكان. وأكدت أن المسئولية لا تقع على جهة أو شخص واحد فقط، وإنما تتوزع بحسب طبيعة الدور الذى يقوم به كل طرف، قائلة إن المسئولية تشمل صاحب المحل، وصاحب المول والمورد كل فى حدود تخصصه.
وشددت على أن الالتزام باشتراطات السلامة لا يجب أن يكون مجرد إجراء للحصول على الترخيص، وإنما مسئولية مستمرة تبدأ من توريد الإسطوانة وتخزينها واستخدامها، وتمتد إلى التأكد من سلامتها وصلاحية مكوناتها وإجراء أعمال الصيانة والفحص اللازمة بصورة دورية. وأوضحت أنه بحسب قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 قد تصل غرامة مخالفة اشتراطات السلامة والصحة المهنية إلى 100 ألف جنيه، وفقا للمادة 296 كما يجوز إغلاق المنشأة كليا أو جزئيا عند وجود خطر داهم، وتحدد المسئولية والعقوبة بحسب طبيعة المخالفة والنتائج المترتبة عليها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض