لماذا كره بعض العلماء صيام يوم المولد النبوي الشريف؟
يتساءل كثيرون عن حكم صيام يوم المولد النبوي الشريف، خاصة مع اقتراب ذكرى مولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما إذا كان الصيام في هذا اليوم مستحبًّا باعتباره يومًا من الأيام الفاضلة، أم يُكره صيامه باعتباره يومًا اتخذته الأمة عيدًا ومناسبة للفرح بمولد النبي الكريم ﷺ.
لماذا كره بعض العلماء صيام يوم المولد؟
ذهب عدد من متأخري المالكية إلى كراهة صيام يوم المولد النبوي، باعتبار أن هذا اليوم صار في عرف المسلمين يوم فرح وسرور، وأُلحق بالعيد في الجملة.
ونقل شمس الدين الحطاب في كتابه «مواهب الجليل» عن ابن عباد قصة دالة على ذلك، حيث ذكر أنه خرج في يوم مولد النبي ﷺ إلى ساحل البحر، فوجد الشيخ الحاج ابن عاشر وجماعة من أصحابه وقد أخرجوا طعامًا ليأكلوه، وعندما أرادوا منه مشاركتهم أخبرهم بأنه صائم، فنظر إليه ابن عاشر نظرة إنكار، وقال له بمعنى كلامه: إن هذا اليوم يوم فرح وسرور، ويستقبح في مثله الصيام، لأنه بمنزلة يوم العيد.
وأوضح ابن عباد أنه بعد تأمل هذا الكلام وجده حقًّا، وكأنه كان نائمًا فأيقظه هذا التنبيه.
أقوال علماء المالكية في صيام يوم المولد
قال الشيخ زروق في شرحه على «المقدمة القرطبية» إن صيام يوم المولد كرهه بعض العلماء ممن عُرف بصحة الورع والعلم، معللًا ذلك بأنه من أعياد المسلمين، ولذلك ينبغي ألا يصام فيه.
كما نقل شمس الدين الحطاب هذا القول، وأشار إلى أن الشيخ أبا عبد الله القوري كان يذكره كثيرًا ويستحسنه.
وقال الشيخ عليش في «منح الجليل»: «ويكره صوم يوم مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ إلحاقًا له بالعيد في الجملة».
هل المولد النبوي عيد عند المسلمين؟
وحكى الشيخ ابن مزور في كتابه «شفاء السقيم بمولد النبي الكريم» انعقاد الإجماع بعد القرون الثلاثة الأولى على اعتبار يوم المولد النبوي الشريف عيدًا، ورجح بناء على ذلك القول بكراهة صيامه.
واستشهد بما ورد في «همزية» ابن زكري من قول:
«يَوْمُ مَوْلِدِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْيَادِ
فَضْلُهُ فِي الوُضُوحِ ضُحَاءُ»
كما ورد فيها:
«وَلِلَيْلَتِهِ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ
عُلُوٌّ بِقُرْبِهِ وَزَكَاءُ»
لماذا اختلف العلماء حول صيام يوم المولد؟
أشار ابن مزور إلى أن هناك قولًا آخر باستحباب صيام يوم المولد، مستندًا إلى معنى شكر الله تعالى على نعمة تجددها، قياسًا على صيام يوم عاشوراء.
وقد نُقل هذا التعليل عن الحافظ ابن حجر العسقلاني والحافظ ابن حجر الهيتمي، باعتبار أن شكر النعمة يكون بالعبادة في وقت تجددها.
إلا أن ابن مزور رأى أن هذا القياس غير ظاهر؛ لأن يوم عاشوراء ورد في الشرع الترغيب في صيامه على وجه الخصوص، وليس عيدًا، وإنما هو موسم من المواسم الفاضلة التي رُغِّب في صيامها.
الجمع بين أقوال العلماء في المسألة
وبيّن ابن مزور أن الجمع بين القولين هو الأولى، بحيث يُنظر إلى اختلاف الأزمنة؛ ففي الأصل يجوز صيام يوم المولد بل قد يكون مستحبًّا لكونه من الأيام الفاضلة، لكن إذا انعقد الإجماع على اتخاذه عيدًا من أعياد المسلمين، فإنه يُكره صيامه إلحاقًا له بالأعياد في الجملة.
ويأتي هذا الجمع وفق قواعد أصولية تقرر أن «الجمع مقدم على الترجيح»، وأن «إعمال الكلام أولى من إهماله»، وهي قواعد ذكرها الإمام الشوكاني في «إرشاد الفحول» والإمام السيوطي في «الأشباه والنظائر».
الفرح بالمولد النبوي وشكر نعمة الله
ويرتبط هذا القول بمعنى الفرح بفضل الله ورحمته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 57-58].
وأوضح فخر الدين الرازي في «مفاتيح الغيب» أن الآية تشير إلى مراتب من الكمال الروحي، تبدأ بالموعظة والشفاء والهدى والرحمة، ثم يأتي الأمر بالفرح بفضل الله ورحمته، بما يدل على أن السعادات الروحانية أعظم من السعادات الجسمانية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

