ثمة مبادئ واضحة فى قاموس الأمن القومى المصرى منذ نشأة الدولة الحديثة تعد بمثابة الإرث الذى لا يمس مهما كانت شخصية أو توجهات من يحكمها على رأسها مبدأ رفض فكرة الأحلاف العسكرية فى منطقة الشرق الأوسط، فمنذ خمسينيات القرن الماضى والقاهرة كانت رائدة فى تأسيس حركة عدم الانحياز، ورفضت الانضمام إلى أى كتلة عسكرية سواء شرقية أو غربية خلال الحرب الباردة، وأصرت على الاعتصام باستقلال قرارها الوطنى فهذا المبدأ الثابت ليس مجرد شعار أجوف، بل عقيدة استراتيجية تحفظ لمصر مكانتها كفاعل محورى يرفض كل أشكال التبعية، فمع كامل احترامى للنوايا الحسنة للساهرين على هذا التحالف الوليد، إلا أنه قام على عجل بدون دراسات فنية متعمقة، وهذا ما أشار اليه هاكان فيدان وزير الخارجية التركى بأنه السبب المعلن وراء عدم انضمام القاهرة لأنه ببساطة يتناقض مع مبادئها التاريخية الراسخة، فهى ترى الآن على الأقل أن جدول أعمال هذا التحالف ربما يتقاطع بدون قصد مع أجندات إسرائيلية خفية، وبالتالى لا يعكس أولويات الأمن القومى المصرى لا ترى القاهرة بدون مواربة أن طهران هى عدوتها الرئيسية مهما كان إدانتها لسلوكها السياسى المشين فى مراحل مختلفة ربما هذه النقطة تحديدًا تصب فى خانة الخلاف الصحى بين القاهرة وأشقائها فى الخليج، وهذا مفهوم ومقبول فى إطار المصالح السيادية لكل دولة حيث إن عقيدة الجيش المصرى تتمحور حول الخطر القادم من جهة الشمال الشرقى فقد استوعبت القاهرة الدرس القاسى جيدًا إبان تورطها فى حرب اليمن فى الستينيات، لذلك تجدها تتبنى سياسة الصبر الاستراتيجى تجاه عديد الأزمات سواء فى إثيوبيا والسودان وليبيا، فهى لم تنجر مطلقًا إلى مواجهات عسكرية مهما كان مستوى الاستفزاز لأنها تؤمن بأن لا طائل من ورائها سوى عدوات مجانبة مع شعوب ما يجمعنا بها أكثر مما يفرقنا.
بالتأكيد تحالف مكة يعكس تحولات نوعية فى معادلات الأمن بالمنطقة فالقراءة الموضوعية تقتضى النظر لهذا الاتفاق باعتباره ولادة قيصرية لتكوين ناتو سنى، وفى نفس الوقت لا يجب التقليل من دلالاته السياسية إذا ما وضعنا فى الاعتبار الوزن الاقتصادى والتكنولوجى والنووى للدول الثلاث لا شك أن هذا التطور الهائل يعكس رؤية ورغبة متزايدة بين أطرافه لتنويع الشراكات الأمنية، وعدم إبقاء أمن الخليج تحديدًا رهينة لتقلبات السياسة الداخلية الأمريكية، ومع ذلك ليس بالضرورة اجتماع الثلاثى الكبير فى تحالف واحد يضمن بناء منظومة دفاع جماعى مكتملة الأركان لأن طبيعة الالتزامات وآليات التنفيذ فى حال نشوب حرب إقليمية شاملة ستكون هى المحك والاختبار الحقيقى لفاعلية أى تحالف وعندئذ ستبرز أسئلة جوهرية من عينة هل أنقرة وإسلام آباد جادتان بما يكفى للانخراط فى مواجهات معقدة ضدّ طهران والحوثيين على سبيل المثال الإجابة على هذا التساؤل ليست محسومة حيث إنّ كلتيهما مرتبطتان بعلاقة تاريخية جد معقدة مع طهران تتمحور حول التنافس والتعاون ومصالح متشابكة.
أعتقد أن بعدما فشل التحالف الأمريكى الإسرائيلى فى هزيمة إيران بالضربة القاضية يريد ترامب المأزوم الخروج من هذا المستنقع بأى طريقة والحل السهل هو بتوزيع الأدوار العسكرية على حلفائه الإقليميين كما فعل من قبل فى حربه ضد الحوثيين والقاهرة ليس من مصلحتها القتال بالنيابة عن التحالف الصهيو أمريكى، ولا تريد أن تكون مخلب قط أو حتى جزء من هذا المخطط الخبيث، وتورّط جيشها فى حرب مذهبية لا ناقة لها ولا جمل ضد طهران. لقد أدرك ترامب أنه لم يعد فى مقدوره مواجهة التكاليف الباهظة لتلك الحرب المرهقة وفى هذا السياق هنالك تحذير لافت من الحزب الشيوعى التركى يعضد هذا الطرح، فقد وصف هذا الاتفاق بأنه محاولة لجر تركيا إلى مغامرة عسكرية خطيرة بربط مقدراتها القتاليّة بأهداف المخططات الإسرائيلية.
لنكن صادقين مع أنفسنا أثار عدم انضمام القاهرة إلى تحالف مكة عاصفة عاتية من التكهنات فى وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى بشأن حقيقة وأسباب هذا الموقف، والذى ألقى بظلاله على مستوى العلاقات المصرية السعودية، بصراحة لا أستريح مطلقًا للتقارير الصحفية المغرضة لا سيما الغربية منها والتى فى مجملها تزيد صب الزيت على النار. لقد أثبتت الأيام والمواقف أن هذه العلاقات متجذرة ومتينة لدرجة إذا قرر أحد طرفيها نقضها منفردًا لن يستطيع، فهى بالأساس علاقة شعبية أكثر منها رسمية تختلط فيها روابط الدين بالثقافة بالمصاهرة حتى بنفس الحس الفكاهى فيكفى أن تعرف أن عدد المصريين الذين يعيشون ويعملون فى المملكة يتجاوز 2.5 مليون مصرى وعدد السعوديين المقيمين فى وطنهم الثانى حوالى 600 ألف سعودى وهو الأكبر خارج حدود المملكة.. يا سادة هذه العلاقات غير قابلة للكسر مهما بلغت اختلافات وجهات النظر السياسية وهذه طبيعة الأشياء.. وختامًا للملك عبدالعزيز رحمه الله مقولة خالدة فى برقية تاريخية أرسلت 1946 حيث كتب «على أن العلاقة بين البلدين الشقيقين تقوم على أثبت الدعائم، حيث كان من حظ البلدين توثيق الروابط بينهما وتوحيد جهودهما فى سياستيهما، وإقامة التعاون بينهما على أثبت الدعائم».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض