كلمة حق
فى ليلة من ليالى أغسطس شديدة الحرارة، وأثناء عودتى من الساحل الشمالى إلى بلدتى المنصورة، وعلى غير عادتى سلكت طريقًا غير المعتاد لى السير فيه، قررت أن أسافر عبر ما يسمى بـ«الطريق الدولى الساحلى»، وياليتنى ما فعلت، فقدت قادتنى المصادفة إلى تجربة إنسانية مؤلمة تركت فى نفسى أثرا بالغا، وكشفت لى، بكل محطاتها، عن رحلة صارخة مليئة بالعجائب، عجائب الزمن، صور التفاوت والتمييز الذى أصاب المناطق التى كانت فى يومًا من الأيام مقصد الحكومات والوزراء والأعيان، تألمت وأنا أرى هذه الأماكن وقد وهنت وأصابها العجز والشيب وعم بها الإهمال وتراكمت الزبالة والأتربة على الطريق بشكل مقزز.
جسَّد أمامى هذا الطريق صورة مصر الحقيقية، تخيل عزيزى القارئ طريق واحد، لا يمين ولا شمال، بدأته من رأس الحكمة وحتى جمصة، مسافة يمكن لا تزيد على 350 أو 400 كيلو متر، بس الحقيقة تشعر كأنك قد مررت بثلاث دول مختلفة، متباينة، لا رابط بينها سوى هذا الطريق الإسفلتى الذى ينطق بذاته عن هذا التناقض الممجوج.
تحركت بالعودة من الساحل، وجدت الدولة الأولى تتمتع بطرق على أعلى مستوى، وربما طرق لا نجد لها مثيلًا فى كثير من الأماكن حتى فى أكثر الدول تقدمًا، تتزين بها مناطق سيدى عبدالرحمن والضبعة والعلمين، طرق ممهدة، إضاءة، خدمات، ونظافة، وكل ما يجعل المواطنين أكثر تمتعا بالراحة والأمان.
وعندما ينتهى معك سور قرية مارينا، لتبدأ دولة أخرى مغايرة تمامًا للدولة التى تركتها، بدأت ألاحظ تغيرًا فظيعًا فى مستوى الطرق والخدمات، كلما ابتعدت عن مناطق الثراء، زاد التكسير والأتربة، وخفتت الإضاءة، وتراجعت جودة الطريق، حفر ومطبات، ومع المرور بمناطق مثل مراقيا ومربيا وسيدى كرير، أصبح الفارق أكثر وضوحًا، وكأن جودة الطريق تتراجع بقدر ما يتراجع المستوى الاجتماعى للمكان. وهنا عادت بى الذاكرة لثلاثين عاما مضت وتذكرت كم كانت هذه المناطق مبهرة وعظيمة، يسكنها الوزراء والوجهاء ويلتف من حولهم طبقة رجال الأعمال فى ذلك الحين، ياااااه على الدنيا، قاسية إلى هذا الحد.
وهنا تعمدت أن أغادر هذا الطريق متجنبا المرور بمنطقة العجمى والهانوفيل وشارع الحنفية حتى لا أتذكر الدكتور عاطف صدقى وحكومته التى كانت تقطن هذه الأماكن التى لا أدرى كيف صارت أو إلى ماذا وصلت.
وقررت أنا أواصل السير على ذات الطريق الدولى الساحلي
وما إن وصلت إلى أبيس ورشيد، وجدت أننى قد دخلت دولة ثالثه، دولة مختلفة عن الدولتين السابقتين، فقد بدأت المعاناة تزداد بصورة أكبر، وصولًا إلى جمصة فالطريق قد أزدادت صعوبته ووعورته وانعدمت إضاءته وخدماته رغم أن هو هو ذات الطريق بلحمه وشحمه، لكن للأسف الشىء الوحيد الذى تغير هو مستوى البشر وعدم مرور المسئولين به.
عزيزى القارئ لم تكن المسألة بالنسبة لى مجرد رحلة على طريق، وإنما كانت رحلة كشفت لى مشهدًا مصغرًا من واقع اجتماعى أكبر، يتمثل فى الفارق الكبير بين مناطق تحظى بكل الاهتمام والرعاية، وأخرى يبدو أنها تنتظر نصيبها من الخدمات الأساسية.
بكل تأكيد المقارنة ليست عادلة وعلينا أن نعترف بذلك، وأنا لا أطالب بأن تتحول كل الطرق إلى صورة واحدة، ولا أطالب بمساواة لا تراعى طبيعة كل منطقة وإمكاناتها، وإن كانت المساواة والعدالة فى أصلها حقًا لكل مواطن.
لكننى أطالب بشيء أبسط وأهم، أطلب المساواة فى الحقوق وعدالة أكبر فى توزيع الخدمات، ونظرة مسئولة من الحكومة إلى المواطن المصرى أينما كان.
فالمواطن الذى يعيش فى مدينة أو قرية بعيدة عن مناطق الثراء ليس مواطنًا من درجة ثانية، ومن حقه أن يجد طريقًا آمنًا، وإضاءة جيدة، وخدمات تليق بآدميته وكرامته، لأن ما شاهدته فى هذه الرحلة ترك أثرًا سيئًا فى نفسى، ليس بسبب سوء الطريق فقط، وإنما بسبب الإحساس بأن هناك تفاوتًا كبيرًا بين ما يمكن أن تقدمه الدولة فى مكان، وما يصل إلى المواطن فى مكان آخر.
ولذلك، فإن رسالتى ليست انتقادًا من أجل الانتقاد، وإنما دعوة إلى الانتباه.
فعلى الحكومة أن تنظر إلى خريطة الطرق والخدمات باعتبارها جزءًا من خريطة العدالة الاجتماعية، وأن تدرك أن التنمية الحقيقية لا تكتمل بإنشاء مناطق شديدة الرفاهية، بينما تظل مناطق أخرى تعانى من أساسيات الحياة.
فلو أن أحد وزراء الحكومة اضطر إلى العودة من الطريق الدولى الساحلى باتجاة إحدى محافظات دمياط، الدقهليه، كفر الشيخ، سيعانى معاناة، أتمنى أن يراها أو يمر بها أحد وزراء الحكومة.. حتى يستشعروا الفارق.
وفى النهاية، ليست القضية طريقًا من الساحل إلى المنصورة، وإنما طريق طويل نحو مجتمع أكثر عدلًا، يشعر فيه كل مواطن أن الدولة تراه وتهتم به، أيا كان مكانه أو مستواه الاجتماعى.
فمصر واحدة.. والمواطنون جميعًا يستحقون نصيبًا عادلًا من اهتمام الدولة.
وللحديث بقية مادام فى العمر بقية
المحامى بالنقض
رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض