«لفت نظر»
ليست الصورة المتداولة لورقة إجابة طالب فى كلية الطب بجامعة جنوب الوادى مجرد مادة للسخرية من أخطاء لغوية أو واقعة تستحق «التريند» لبضعة أيام.. الخطأ اللغوى فى كتابة اسم الجامعة «جانوب الوادى» يطرح سؤالًا أكثر قسوة: هل نحن أمام طالب أخطأ فى التعبير.. أم أمام منظومة صنعت له صفة لا يستحقها؟
أن يصل طالب إلى كلية الطب ثم يعجز عن كتابة اسم جامعته بصورة سليمة، أو يترك فى ورقة امتحانه عبارات استعطاف بدلا من إجابات علمية، فهذه ليست بالضرورة جريمة طالب، لكنها بالتأكيد علامة على خلل يستحق التحقيق.
فالطب لا يبدأ من مدرج الجامعة.
الطبيب يبدأ من المنبع.
ومن هنا يصبح عنوان الأزمة الحقيقى: انتحال صفة من المنبع.
لأن أخطر ما فعلته منظومة الغش فى الثانوية العامة، إن ثبت وجودها فى بعض الحالات، ليس أنها ساعدت طالبا فى الحصول على درجات لا يستحقها؛ وإنما أنها منحت الطالب هوية تعليمية مزيفة.
طالب لم يثبت أنه متفوق، لكنه دخل الجامعة باعتباره متفوقا.
وطالب لم يثبت امتلاكه أدوات العلم، لكنه حمل مجموعا يؤهله لدراسة الطب.
وهنا لا تعود المشكلة فى ورقة إجابة، وإنما فى الطريق الذى أوصل صاحبها إلى هذه الورقة.
الثانوية العامة تحولت، فى جانب من جوانبها، من اختبار للمعرفة إلى معركة للحصول على رقم. والرقم المرتفع أصبح جواز مرور إلى كليات القمة، دون أن نسأل السؤال الأهم: هل يعكس هذا الرقم المستوى الحقيقى لصاحبه؟
إذا كانت الإجابة نعم، فكيف نفسر ظهور فجوات تعليمية صادمة عندما يبدأ الطالب دراسته الجامعية؟
وإذا كانت الإجابة لا، فنحن أمام مشكلة أكبر من الغش نفسه.
نحن أمام أزمة ثقة فى الشهادة.
وهنا تظهر خطورة كلية الطب تحديدا.. فالطالب يمكن أن ينجح فى تجاوز اختبار جامعى، لكن المجتمع لا يستطيع أن يتحمل طبيبا تجاوز مراحل التعليم دون أن يمتلك أساسيات المعرفة.. الخطأ فى الكتابة يمكن إصلاحه.. أما الخطأ فى تشخيص مريض، فلا توجد له خانة «درجات رأفة».
ما حدث هو نوع من انتحال الصفة التعليمية من المنبع وبأوراق رسمية وشهادات معتمدة وإثبات صفة التفوق لطالب غشاش.. المطلوب ليس جَلْد الطلاب، وإنما فتح الملف بشجاعة باختبارات قياس حقيقية. ومراجعة لآليات الامتحانات.. مع ضرب بؤر الغش بلا تردد.. ومحاسبة كل من يثبت تورطه، مهما كان موقعه.
لأن المعركة ليست من أجل هيبة امتحان الثانوية العامة. ولكنها من أجل ألا يدخل أحد غرفة العمليات بصفة طبيب، بينما شهادته نفسها كانت أول عملية غش.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

