من فوق منصة القضاء المصرى الشامخ، وفى واحدة من أكثر القضايا التى أشعلت الرأى العام -قضية مقتل «عروس بورسعيد»- انطلق صوت الحق ليضع حدًا لمهزلة الرقميات ولغط المنصات. كلماتٌ بليغة خطّها القاضى الجليل بحروف من نور، لخصت صراعًا محتدمًا بين منطق القانون وهوس «التريند»، مؤكدةً حقيقة راسخة وهى أن العدالة لا تُقاس بالمشاهدات، ولا تُشترى بالإعجابات، وإنما تُقام بالأدلة والبينات.
وهنا لا أتحدث عن حق الناس فى المعرفة، ولا عن حرية الصحافة، ولا عن حق المجتمع فى متابعة قضية هزت الرأى العام. أتحدث عن شىء آخر تمامًا، لقد غدت شبكات التواصل الاجتماعى فى الآونة الأخيرة ساحاتٍ موازية، تُعقد فيها المحاكمات العاجلة، وتُصدر خلالها الأحكام المسبقة قبل أن تُفحص الأدلة أو تكتمل التحقيقات. وفى هذه القضية بالتحديد، شاهد الجميع كيف تجرأت الخوارزميات على حرمة الحقيقة، استبدل البرهان القاطع بالباطن من التأويل، وغدت الشائعة صناعة، والدم تجارة تُباع فى سوق «الشير» وتُشترى بـ«الإعجابات»، دون أدنى اعتبار لاغتيال الحقيقة أو تشويه العدالة أو تضليل الرأى العام.
القاضى الجليل قال بوضوح إن «بين ضجيج الشاشات وصمت الأوراق تتوارى الحقيقة حينًا، لكنها لا تموت»، وهى عبارة تختصر الفارق بين ما يراه الجمهور وما تثبته الأوراق. فالسوشيال ميديا قد تلتقط مشهدًا، أو تنقل رواية، أو تصنع انطباعًا، لكنها لا تملك أبدا أدوات التحقيق ولا ضمانات المحاكمة العادلة.
الأخطر أن منصات التواصل، كما أشار القاضى، قد «سبقت إلى رواية أحداث هذه القضية قبل أن تكتمل تحقيقاتها»، وأطلقت أحكامها قبل فحص الأدلة، واستبدلت البرهان بالتأويل، وحولت أحيانًا المأساة الإنسانية إلى مادة لحصد المشاهدات واقتناص الإعجابات، حتى لو كان الثمن تشويه الحقيقة أو التأثير فى الرأى العام.
وهنا تظهر قيمة استقلال القضاء. فالقضاء لا يمكن أن يكون صدىً للجمهور، ولا تابعًا لعاصفة إلكترونية، ولا أسيرًا لموجة غضب مهما كانت قوتها. وكما قال القاضى: «هيبة القضاء لا تهتز لعاصفة التريند»، لأن مصدر قوته ليس عدد المتابعين، وإنما القانون، والأدلة، واليقين الذى تستقر إليه المحكمة. ولا تستجيب إلا لما استقر فى وجدان المحكمة من حقائق راسخة لا تنحنى للأهواء ولا يحركها صخب منصات التواصل الاجتماعى.
إن هذه الكلمات التاريخية لم تكن مجرد تعقيب على قضية بعينها، بل كانت وثيقة حماية لاستقلال القضاء ورسوخه. رسالة حازمة لكل من يظن أن ضغط الشارع الرقمى قادرٌ على توجيه العدالة أو النيل من هيبتها. فكم من رواية راجت ثم بانت، وكم من شائعة علت ثم هوت أمام سطوة الدليل! وهنا يأتى دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبدالعزيز، المطلوب من المجلس فى مثل هذه القضايا أن يضع حدًا فاصلًا بين حق المجتمع فى المعرفة وأن يُلزم الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية بمعايير المهنية وأخلاقيات النشر، فلا تُستباح حرمات القضايا المنظورة أمام القضاء، ولا تُحول دماء الضحايا إلى مادة للتكسب والإثارة.
ويبقى القضاء المصرى الشامخ حارسًا أمينًا، يعلو فوق الضجيج إذا علا، ويستمسك باليقين إذا اضطربت الأقوال، ليبقى المبدأ الخالد: لا صوت يعلو فوق صوت القانون، ولا حكم إلا للدليل. والقضاء لا يُمدح ولا يُذم، والأحكام لا تُنتقد ولا يُعلق عليها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض